هناك مقولة شهيرة في قطاع الأعمال تقول:

"Don’t just do it, show it"

أي: «لا تكتفِ بإنجاز العمل، بل أظهره».

ففي بيئة العمل، قد يبذل موظف جهداً كبيراً بصمت لإنجاز مهامه بكفاءة عالية، بينما يقوم زميله بترويج إنجازاته حتى لو كانت محدودة أمام الإدارة وزملائه من خلال الاجتماعات ومنصات الإعلام المجتمعي. وفي كثير من الأحيان، يحظى من يُبرز عمله باهتمام أكبر وتقدير أوضح.

هذا المثال البسيط يلخص أحد التحديات التي تواجه السلطة الفلسطينية في تواصلها مع الجمهور، خاصة في الضفة الغربية. فرغم الجهود الكبيرة التي تبذلها في تقديم الخدمات الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية، وهي جهود تستحق التقدير في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة و الحصار المالي الإسرائيلي المفروض على السلطة، إلا أن غياب الترويج الفعّال لهذه الإنجازات يجعل جزءاً من المواطنين أقل إدراكاً لحجم ما يُبذل.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، حققت السلطة الفلسطينية تقدماً ملموساً تمثل في إقناع عدد من الدول، من بينها فرنسا وإسبانيا وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا، بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، إلى جانب تعزيز مكانة فلسطين في الأمم المتحدة كدولة عضو مراقب، ودعم الجهود الرامية إلى مساءلة الانتهاكات الإسرائيلية أمام المحاكم الدولية.

ومع ذلك، فإن قلة التواصل الإعلامي حول هذه الإنجازات، إلى جانب بعض الممارسات الإدارية التي تثير تساؤلات حول الكفاءة و المؤهلات و الجدارة في التعيينات الحكومية ، ساهم في توسيع الفجوة بين المؤسسة والجمهور، وأفسح المجال لانتشار روايات سلبية. حيث في ظل الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة والعنف المتزايد من قبل المستوطنين والقيود الإسرائيلية المفروضة على الأرض، واحتلال إسرائيلي لنحو 70 % من أراضي قطاع غزة ، تبدو صورة السيادة الفلسطينية مهزوزة في أعين الكثيرين، مما يزيد من صعوبة تقدير الجهود المبذولة.

كما أن المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية، الذي يواجه تحديات يومية معقدة عند المعابر وحواجز الطرق، والمواطن الفلسطيني في قطاع غزة، الذي يكافح بشكل يومي من أجل البقاء وسط حرب طاحنة وظروف إنسانية بالغة القسوة، كلاهما قد يجدان صعوبة في الاكتفاء بالإنجازات الجزئية، مهما كانت قيمتها في ظل الأوضاع الراهنة.

وبما أن السلطة الفلسطينية تحظى بشرعية دولية واسعة وتُعدّ لدى معظم أعضاء المجتمع الدولي نواة للدولة الفلسطينية المستقبلية، فإن الحفاظ على هذه الشرعية وتعزيز الثقة الشعبية يتطلبان مقاربة متوازنة.

من المهم الاعتراف بالإنجازات المحققة حتى لو بدت غير كافية للبعض ، وفي الوقت نفسه معالجة أوجه القصور في مجالات الحوكمة والشفافية والتواصل مع المواطنين.

إن تبني نظرة موضوعية بعيداً عن الأجندات الحزبية الضيقة، والتركيز على تعزيز التواصل الفعّال وإبراز ما يُنجز، يمثلان خطوة أساسية نحو ترميم العلاقة مع الجمهور والحفاظ على النظام السياسي الوطني في مواجهة التحديات المتزايدة.

لذا، باختصار، أقدم في هذا المقال سبع نصائح عملية للسلطة الفلسطينية، بهدف تعزيز قدراتها في مواجهة التحديات المتعددة، سواء تلك المرتبطة بالضغوط المالية و الأمنية أو تلك التي تؤثر على مكانتها لدى الرأي العام الفلسطيني.

تستند هذه النصائح إلى مبدأ أساسي يتمثل في اعتبار الحاضنة الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة ركيزة أساسية لاستقرار السلطة الفلسطينية ، وإلى أهمية اعتماد خطاب قريب من المواطنين، ولغة تواصل مبسطة تسهم في تقليص الفجوات وتعزيز الثقة المتبادلة. وفيما يلي ملخص لهذه النصائح، التي تهدف إلى استعادة التأييد الشعبي وترسيخ العلاقة مع الشارع الفلسطيني:

عدم تأجيل موعد عقد كل من الانتخابات التشريعية والرئاسية

مع صدور مرسوم رئاسي يحدد موعد عقد الانتخابات التشريعية خلال شهر نوفمبر من العام الحالي، والانتخابات الرئاسية في مطلع العام القادم، عاد الأمل لعدد كبير من الفلسطينيين لممارسة حقهم الديمقراطي والدستوري في المشاركة في انتخاب قيادة جديدة للسلطة الفلسطينية وللمجلس التشريعي، بعد حرمان معظم الفلسطينيين من ممارسة حقهم الانتخابي لنحو عشرين عاماً بسبب الانقسام الفلسطيني. وبسبب تأجيل سابق لموعد الانتخابات التشريعية، بدأ البعض يشكك في إمكانية عقد الانتخابات المقبلة. لذا، ولتعزيز الثقة الشعبية في النظام السياسي الفلسطيني الذي تمثله السلطة الفلسطينية، يُستحسن عدم تأجيل عقد الانتخابات الفلسطينية المقبلة مهما كانت الظروف ومهما كانت النتائج، الأمر الذي من شأنه أن يعزز الصورة الإيجابية للسلطة الفلسطينية أمام الشعب ويزيد من ثقة الممولين الدوليين في نزاهتها.

تعزيز دور السلطة الفلسطينية في قطاع غزة

لتعزيز وحدة النظام السياسي الفلسطيني والحفاظ على ارتباط قطاع غزة به، يُفضل أن تستمر السلطة الفلسطينية في تقديم خدماتها في مجالات التعليم والصحة والمساعدات الاجتماعية والمعاملات القانونية وأوراق السفر لسكان قطاع غزة.

كما يُستحسن أن تُصدر بيانات وتقارير إنجاز إعلامية توثق الخدمات التي ما زالت تقدمها لسكان القطاع، بما يسهم في ترسيخ صورة ذهنية لدى المواطن في غزة بأن السلطة ما زالت قائمة على رأس عملها في القطاع، رغم سنوات الانقسام السياسي ورغم الحروب الصعبة التي مر بها القطاع. ويُفضل أيضاً أن تقوم السلطة بنشر بيانات رسمية توضح استمرارها في خدمة سكان القطاع، ونِيَّتها المشاركة في الإشراف على عملية إعادة الإعمار والتنسيق مع الجهات المعنية بما يحفظ ارتباط القطاع بولايتها. كما يُعد عقد انتخابات تشريعية ورئاسية في قطاع غزة رسالة إيجابية تؤكد أن المواطن في غزة جزء أصيل من الشعب الفلسطيني الخاضع لولاية السلطة والقوانين الفلسطينية.

بناء الثقة بين السلطة الفلسطينية والقطاع الخاص

خلال الأزمة الأخيرة المتعلقة بالبترول، برزت على السطح بعض الخلافات في التعامل مع قضايا تتعلق برجال أعمال وقضايا مالية معينة قد يجهلها الجمهور. وقد ساهم الغموض في التعامل مع هذه الخلافات القانونية والمالية في زيادة التساؤلات والشائعات، وأثار مخاوف لدى القطاع الخاص بسبب عدم نشر تفسيرات وإجابات واضحة لتساؤلات المواطنين حول أسباب الخلاف. لذا يُفضل ألا تلتزم السلطة الفلسطينية الصمت في أي قضية تتعلق بالقطاع الخاص، وأن تقدم بيانات رسمية وتفسيرات علنية توضح الموقف الرسمي و الإجراء القانوني المتبع مع القضايا الخلافية ، بما يسهم في تهدئة المخاوف وتعزيز العلاقة الإيجابية مع التجار والقطاع الخاص، الذين يلعبون دوراً مهماً في تحسين صورة السلطة أو التأثير عليها لدى الجمهور. وليس من الخطأ أن تبذل السلطة جهداً إعلامياً في إصدار بيانات رسمية توضح للجمهور ولأعضاء القطاع الخاص حقيقة أي موقف خلافي بشكل شفاف ورسمي.

تنظيم جلسات استماع ومساءلة شعبية

من أجل تعزيز المساءلة الاجتماعية والحوكمة، وتفادي أي سوء فهم شعبي لسياسات السلطة الفلسطينية وجهودها المبذولة على الأرض، وتقليص الفجوة بينها وبين المواطنين، يُستحسن تنظيم جلسات استماع ومساءلة بين مسؤولي السلطة وأعضاء المجتمع المحلي، و فتح خطوط ساخنة لاستقبال شكاوى المواطنين والاستجابة لها في كافة الوزارات الفلسطينية. وألا تقتصر مشاركة المسؤولين على المؤتمرات والاحتفالات الرسمية التي ينظمها المجتمع المدني والقطاع الخاص، بل أن يكون هناك برنامج تواصل مجتمعي مستمر تتبناه السلطة عبر عدة مراحل، يشمل عقد جلسات استماع للسكان وخاصة الفئات المستضعفة من النساء والرجال والشباب و الأشخاص من ذوي الإعاقة وحتى الأطفال، وليس فقط لقادة المجتمع المحلي. وبعد الاستماع إلى ملاحظات المواطنين، يُفضل أن تعمل السلطة على تطوير أدائها وخدماتها بناءً على توصياتهم واحتياجاتهم الأساسية.

عمل إصلاحات إدارية في الوظائف العامة

من حين لآخر تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي أنباء عن ترقيات معينة في السلك الدبلوماسي، قد يُشكك البعض في نزاهتها، على الرغم من أن الشخص الذي تمت ترقيته قد يكون كفؤاً لهذه المهمة، إلا أن ارتباطه العائلي أحياناً يفتح الباب للتساؤلات. لذا يُستحسن أن تنشر السلطة بشكل دوري إعلانات عن الوظائف الحكومية عبر مواقع وزاراتها، وأن تعلن معايير واضحة للترقية والتعيين الوظيفي، مع نشر نتائج الاختبارات الشفوية والكتابية للمتقدمين للوظائف الحكومية والترقيات بشكل علني عبر الموقع الرسمي لكل وزارة. وبذلك يتم الحد من أي تشكيك شعبي بمدى نزاهة العمل الحكومي في إطار السلطة الفلسطينية.

تعزيز الثقة بين الأجهزة الأمنية والمواطن الفلسطيني

يومياً تبذل عناصر وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية جهوداً في مواجهة قضايا المخدرات والقتل والسرقة والابتزاز الإلكتروني والنصب والاحتيال، وغالباً ما يتم ذلك بهدوء ودون دعاية إعلامية واسعة حول إنجازاتها. وقد يستغل البعض حالة الصمت النسبي للسلطة ، لنشر روايات تتعلق بصعوبة مواجهة بعض التحديات الأمنية المتعلقة بالاحتلال وحماية المواطنين من عنف المستوطنين، مما قد يؤثر على ثقة شريحة من المواطنين بهذه الأجهزة الأمنية .

لذا يُفضل أن تعمل وزارة الداخلية على إبراز إنجازاتها اليومية في حفظ السلم الأهلي في الضفة الغربية، من خلال توظيف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر هذه الإنجازات بشكل دوري وكسبق إعلامي، وإصدار بيانات رسمية أسبوعية تُطلع الجمهور على الإنجازات والتحديات اليومية. كما يُستحسن أن تلعب الأجهزة الأمنية دوراً توعوياً أكبر في المدارس و الجامعات و عبر وسائل الإعلام المجتمعي لتعريف الجمهور بآليات الإبلاغ عن العنف المجتمعي والابتزاز الإلكتروني والاستغلال، بما يعزز موقفها كالدرع الحامي للمجتمع.

أما فيما يتعلق بحماية القرى الفلسطينية في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة (مناطق أ) من عنف المستوطنين ، فيمكن تكثيف الدوريات الشرطية بشكل دوري في هذه القرى ، واتخاذ الإجراءات القانونية المتاحة بحق المستوطنين عبر اعتقالهم وترحيلهم ، بما يعزز صورة الأجهزة الأمنية كدرع واقٍ للمواطن، مع الحرص على تجنب أي صدام عنيف قد يُستغل من قبل الإحتلال لتوسيع دائرة الاجتياحات و الاقتحامات لقري ومخيمات الضفة الغربية. كما يمكن تخصيص خط ساخن للإبلاغ عن أية محاولات اقتحام للمستوطنين للقرى الفلسطينية ، لتتمكن الدوريات الشرطية من التحقق من الأمر واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لاعتقال وترحيل المستوطنين و تغريمهم ماليا.

تحقيق إنجازات في مجال السفر والمعابر

يُفضل أن تقوم وزارة الخارجية بمحاولة التدخل عبر وزارات خارجية الدول الأخرى لتحسين وضع جواز السفر الفلسطيني، من خلال زيادة نسبة إعفائه من التأشيرات في عدة دول، خاصة الدول العربية ، والآسيوية والأفريقية وأوروبا الشرقية . كما يُستحسن التدخل في قضايا المعابر الخارجية، ومحاولة عقد نقاشات دبلوماسية مع وزراء خارجية الدول العربية التي تشرف على المعابر الرئيسية مثل الأردن ومصر، بهدف تقديم تسهيلات سفر للمواطنين الفلسطينيين وتقليل الإجراءات البيروقراطية. وكل هذه الخطوات على الأرض من شأنها أن تزيد بالتأكيد من ثقة الجمهور بأداء السلطة وبقدرتها على إحداث تغيير إيجابي ملموس يتعلق بحرية التنقل والسفر.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد