كما في كل حادثة أو عملية مسلحة ينفلت المستوطنون ويعربدون بعنفهم الدموي... متناسين أنهم في الأساس السبب الكامن وراء كل ما يحدث ووراء تدمير أي فرصة سياسية لإيجاد حل.
الهجوم الأخير شرق نابلس ، ليس الأول، ولن يكون الأخير، إذا ما استمرّت الاعتداءات الإسرائيلية المتمثلة بشكل أساسي في عصابات المستوطنين الأكثر دموية وعنصرية... .
بعد مقتل المستوطنَين، عادت أسطوانة تحميل المسؤولية للقيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس، وكأنها فرصة لوزراء الاستيطان والعنصرية لصبّ جام غضبهم وحقدهم على "أبو مازن" وتحميله المسؤولية، والأغرب من ذلك محاولة قادة المستوطنين وهم وزراء في حكومة نتنياهو تصوير خطاب الرئيس أمام الجمعية العامة بأنه وراء هذا الهجوم.
قادة الاستيطان الذين دمّروا خلال السنوات الماضية جسور المسيرة السياسية كلها، هم الذين يحاولون اليوم رسم خارطة البلاد السياسية والديمغرافية من خلال رؤية صهيونية، لا ترى في الفلسطينيين سوى مجموعات من العرب الذين يجب أن يُهجَّرُوا عاجلاً أم آجلاً من أرض الميعاد ودولة اليهود.
حكومة نتنياهو على امتداد السنوات الماضية شجعت الاعتداءات العنصرية ضد الفلسطينيين، وخاصةً في المناطق المحاذية للتجمعات الاستيطانية الكبيرة الجاثمة على أراضي المواطنين... مئات حوادث الاعتداء والإجرام بحق الأرض الفلسطينية ومن فوقها، لم تحاول حكومة نتنياهو الحدّ منها، بل إن صمتها اعتبره غلاة المستوطنين إشارةً تدعو للاستمرار في الاعتداءات وتصعيد التنكيل اليومي بالفلسطينيين.
عصابات تدفيع الثمن الإرهابية هي النواة الصلبة للمستوطنين الذين يريدون أراضي نقية خالية من الفلسطينيين بأي ثمن سواء أكان ذلك تدميراً أم قتلاً أم حرقاً... . فيما أي رد فعل من الفلسطينيين يجعل الدنيا تنقلب رأساً على عقب!.
الإسرائيليون الذين يتباكون اليوم... حان الوقت لأن يسألوا أنفسهم: لماذا تقع هذه الحوادث؟ ومن هو المسؤول الحقيقي عنها؟.
إن لم يجدوا الإجابة، فليس من الضروري أن يقرؤوا التقارير الفلسطينية التي لم تتوقف طوال السنوات الماضية عن رصيد الاعتداءات الاستيطانية وتوثيقها، بحيث تبدو هذه التقارير من شدة ازدحامها وكأنها تقع في كوكب آخر... بل عليهم قراءة التقارير الأممية والأوروبية وحتى الأميركية... ليروا حجم المعاناة والضغط النفسي اليومي الذي يكابده المواطن الفلسطيني وبشكل خاص في المناطق المجاورة للمستوطنات.
إذن، القضية ليست هجوماً سابقاً أو لاحقاً، بل هي أعمق بكثير من ذلك... ومن يرغب فعلاً في استقرار الوضع والعيش بسلام، عليه أولاً أن يقضي على أسباب رد الفعل الفلسطيني جرّاء اعتداءات متواصلة وإهانات شخصية، بحيث إن المواطن الفلسطيني أصبح فاقداً للأمن الشخصي، وفاقداً للأمن الاقتصادي، وفاقداً لكثير من متطلبات الحياة، في ظل هذا العدوان واستمرار الاحتلال، وانغلاق أفق المسيرة السياسية، بحيث أصبح مفهوم حل الدولتين مجرد شعار يرفعه كثير من قادة الاحتلال، فقط من أجل تعمية أبصار دول العالم، وإبقاء الوضع القائم على ما هو عليه، بل أسوأ من ذلك، من خلال سياسة فرض الأمر الواقع وتغيير الجغرافيا والديمغرافيا... وفرض تصور سياسي صهيوني على الأرض...
ولعلّ الاعتداءات على الأقصى والتقسيم الزماني والمكاني خير شاهد على ذلك... فهي تؤجّج الوضع وتصبُّ الزيت على النار، حتى تصل الأوضاع إلى الانفجار.
من كان يتوقع قبل عشر سنوات مثلاً أن يتجرأ الاحتلال على تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى والأماكن المقدسة؟
إذن، هي سياسة إسرائيلية ممنهجة، وهي سبب رئيس في كل ما حدث أو سيحدث إن لم تغير الحكومة الإسرائيلية نهجها، وإذا لم يفهم الإسرائيليون أن المستوطنين هم سبب المشكلة... وهم سبب هذا الدم.
abnajjarquds@gmail.com

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد