(المثقفون بين مطرقة الاحتلال والسلطتين وسندان الحاجة)
لا غرو أن الحالة الثقافية والمثقفين في فلسطين ضحية الاحتلال والحصار وضحية نخب سياسية مأزومة لا تنظر بأريحية للمثقفين لأنهم يعبرون عن ضمير الأمة وكرامتها ، وهو ما يُشعر هذه النخب بعجزها وتقصيرها إن لم يكن بتواطئها. ولكن ، ومن جهة اخرى فإن علاقة مُعقدة وملتبسة وتصارعية أحيانا تربك المشهد الثقافي الفلسطيني ، سواء العلاقة ما بين المثقف والسلطتين القائمتين في غزة والضفة ،أو ما بين المثقف وضميره ، أو ما بين المثقف واستحقاقات المكان الذي يعيش فيه .

المثقفون الفلسطينيون وخصوصا في الاراضي محتلة واقعون بين مطرقة الاحتلال والسلطتين من جهة وسندان الحاجة ومتطلبات الحياة اليومية من جهة أخرى ، الأمر الذي يُعيق تَشَكُل حالة ثقافية ضاغطة سواء على الاحتلال أو على السلطتين في الضفة وغزة . ويمكن تفصيل الأمر كما يلي :

مع أن الاحتلال ليس ذريعة لتبرير تردي الحالة الثقافية ،إلا أنه يعتبر خطرا داهما على الثقافة الوطنية بل النقيض لها ، فالاحتلال يحاربنا ثقافيا بما لا يقل عن محاربته لنا عسكريا .إلا أن الاحتلال كنفي لهويتنا وثقافتنا الوطنية يفترض أن يُشكل تحديا ي فتح آفاقا أوسع للعمل الثقافي والإبداعي .

تواجه المثقف الفلسطيني معضلة تحديد الأولوية ما بين متطلبات مواجهة الاحتلال من جانب ومتطلبات مواجهة حالات الخلل في النظام السياسي الفلسطيني أو السلطة القائمة ،سواء تعلق الأمر بالانقسام أو إعاقة الديمقراطية أو الفساد من جانب آخر. صحيح يجب تسبيق مقاومة الاحتلال ثقافيا وبكل الوسائل الممكنة على أي جهد آخر ، ولكن في حالة وجود قوى سياسية أو مؤسسات تتعاون مع الاحتلال ، أو تضع عراقيل أمام الشعب وحقه في مقاومة الاحتلال أو تشوه الثقافة والهوية الوطنية وتناصب المثقفين العداء ،أو تحمي الفساد والمفسدين ، آنذاك يصبح من الواجب على المواطنين والمثقفين خصوصا مواجهة الفساد والمفسدين وكل من يتعاون مع العدو بنفس شراسة مقاومة العدو .

لكن على المثقف الحفاظ دائما على اتجاه البوصلة ،فلا يغرق في مواجهة الفساد والمفسدين والانشغال بالانقسام وتداعياته على حساب مواجهة العدو الرئيس،الاحتلال وممارساته الاستيطانية والتهويدية والعدوانية.أحيانا يعمل الاحتلال على تشجيع فتح مواجهات فلسطينية داخلية لينشغل الفلسطينيون بمشاكلهم الداخلية وينسون الاحتلال .

المثقف الفلسطيني بقدر ما يمليه عليه واجبه وضميره أن يصطف إلى جانب الشعب وقضاياه الوطنية والحياتية في مواجهة أية تجاوزات من الحكومة أو السلطة أو أي جهة تسلطية ،فإنه في نفس الوقت إنسان له متطلباته الحياتية وصاحب أسرة ،وحتى يُعيل نفسه وأسرته فهو مضطر لأن يعتاش على راتب الحكومة / الحكومتين ،أو من مؤسسات تتلقى دعما مشروطا من جهات أجنبية ، وهو الأمر الذي يخلق عند البعض أزمة ضمير وصراع داخلي ما بين ما واجبه الوطني كمثقف ،وواجبه كرب أسرة يجب أن يُؤَمِن راتبا ليُعيل اسرته ، وخصوصا في ظل اقتصاد مُدَمَر بسبب الاحتلال والانقسام والفساد .

كثير من المثقفين لم يخضعوا لابتزاز هذه السلطة أو تلك المنظمة أو الجهة الاجنبية وأبدوا مواقف وطنية شجاعة سواء كانوا في الضفة أو في غزة أو الشتات. وبعضهم أصبح حذرا في كل ما يقول ويكتب ويلجأ غالبا لخطاب ملتبس ومُبهم حتى لا تتضرر مصالحه ويتعرض لعنت من هذه الجهة أو تلك وخصوصا منهم من يتلقى راتبا من الحكومة والسلطة أو يتبوأ مركزا مرموقا فيهما.

بالإضافة إلى التحديات المعيشية توجد تحديات أمنية وسياسية ، فالمثقف الفلسطيني في قطاع غزة إن انتقد حماس يصبح معرضا لأن تستدعيه الأجهزة الأمنية أو تعتقله ، وإن انتقد الرئيس أو السلطة والحكومة أو الفساد والفاسدين في هذه الوزارة أو تلك المؤسسة يصبح معرضا لإمكانية قطع الراتب أو الحرمان من السفر أو بالمتابعة القضائية ، أو اتهامه بأنه ضد الرئيس والشرعية وعميل إما لحماس أو ل محمد دحلان إن لم يكن لإسرائيل ، حتى وإن كان من حركة فتح نفسها. أيضا إن انتقد كاتب فلسطيني ما يتعرض له الفلسطينيون من مضايقات في مصر وموانئها الجوية والبرية يصبح معرضا لمنعه من دخول مصر ، وإن انتقد الاردن يتعرض لنفس الإجراء الخ .

سيطرة النرجسية والغرور عند كثير من المثقفين ،وهي حالة تجعل كل منهم يرى نفسه محور العمل الثقافي والفكري وأنه أفضل من غيره من المثقفين وبالتالي لا يقبل أن يكون جزءا من كلّ ،بل على الآخرين الالتحاق به والدوران في فلكه . إنه نموذج المثقف الذي يسعى لأن تكون علاقته بالآخرين بما في ذلك المثقفين علاقة الشيخ بمريديه وليس علاقة أنداد متساوين .

بعض المثقفين ينتمون لمدرسة ثقافية فكرية لا تري علاقة حتمية أو ضرورية بين إبداع المثقفين وإنتاج حالة ثقافية وطنية ، ويرى أنه ليس من الضروري أن يؤدي الإبداع الثقافي إلى انتاج حالة ثقافية وطنية . لذا فبعض المثقفين يضرب طوقا أو حصارا على نفسه ويعمل بصمت ويعزل نفسه عن أي عمل ثقافي جمعي .

غياب أو ضعف الأطر والمؤسسات والاتحادات الجامعة والمنَظِمة لقطاعات المثقفين. لا شك أن المؤسسات والاتحادات الثقافية لا تصنع مثقفا ، فالمثقف أو المبدع يوجَد ويفرض نفسه أولا ثم يفكر بالانضمام للمؤسسات الثقافية القائمة أو تسعى هذه المؤسسات له لاستقطابه . لكن لو كانت اتحادات الكُتاب والصحفيين والفنانين الخ جامعة وفاعلة ،تدافع عن أعضائها وعن حقوقهم وخصوصا حق حرية الرأي والتعبير ، في مواجهة السلطتين والحكومتين ، ما كان المثقفون يعيشون تحت رهاب الخوف من الاعتقال أو قطع مصدر رزقهم .

استهتار النظام السياسي الرسمي بالشأن الثقافي سواء تعلق الأمر بمنظمة التحرير أو بالسلطة الوطنية. تم تهميش إن لم يكن الغاء الدائرة الثقافية في منظمة التحرير التي يُفترض أن ترعى شؤون الثقافة في الشتات ، وتهميش وزارة الثقافة المختصة بالشأن الثقافي في مناطق السلطة ،من خلال هزال موازنتها المالية أو التضييق على انشطتها ، بل كان هناك توجه لإلغاء وزارة الثقافة نهائيا . كما أن الرئاسة لا تقوم بما يجب لتكريم الأدباء والفنانين ،لا أثناء حياتهم ولا بعد مماتهم . والسلطتان في غزة والضفة بشكل عام تنظران بحذر وشك للمثقفين.

كان للانقسام أثر مدَمِر على الثقافة الوطنية والحيلولة دون بروز حالة ثقافية جامعة تؤسَس على قاعدة (في ثقافتنا الوطنية متسع للجميع) . الانقسام أمتد حتى للحقل الثقافي ،فجماعات الإسلام السياسي تنظر بشك بل وبعداء إلى كل رموز ثقافتنا وهويتنا الوطنية ، وهي جاهزة لأن تُكفر و تتهم بالتجديف كل من يُبدع بما يتعارض مع اقانيمهم التي تعبر عن رؤيتهم الخاصة للإسلام .

وللحديث بقية عن المشهد الثقافي في غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد