فجّر طوفان الأقصى وما تلاه من حرب الإبادة على قطاع غزة ، تحولات عميقة في المجتمع الفلسطيني، وكشف عن اتساع الفجوة بين قطاعات واسعة من الشعب والفصائل الفلسطينية، سواء تلك المنضوية في منظمة التحرير الفلسطينية أو الواقعة خارجها. ولم يعد الغضب مقتصراً على مواقف سياسية بعينها أو على الخلاف بشأن قرارات محددة، بل امتد إلى أسئلة أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة التمثيل الفلسطيني، وشرعية القيادة، ومسؤولية الفصائل عن المسار الوطني، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي تأسست من أجلها.
فقدت الفصائل الفلسطينية، بدرجات متفاوتة، جزءاً كبيراً من رصيدها الوطني والسياسي والأخلاقي، وتآكلت شعبيتها ومكانتها النضالية بفعل تراكم الإخفاقات، واستمرار الانقسام، وغياب المراجعة والمساءلة، والعجز عن تطوير وسائل العمل السياسي والنضالي، بما يتناسب مع التحولات التي شهدها المجتمع الفلسطيني والعالم خلال العقود الماضية. ولم تعد الشعارات التي رفعتها هذه الفصائل، وفي مقدمها تحرير فلسطين وعودة اللاجئين، كافية للحفاظ على ثقة الناس، في ظل اتساع الهوة بين الأهداف المعلنة والممارسة السياسية الفعلية.
لكن المسألة لا تتعلق بتغيّر الأجيال وحده، ولا بتراجع شعبية الفصائل نتيجة الحرب وتداعياتها، بل بتغير الظروف نفسها، وطريقة تفكير الناس، ونظرتهم إلى القوى السياسية التي تدّعي تمثيلهم. فقد تغير المجتمع الفلسطيني، وتغيرت أولوياته وتوقعاته، وأصبح أكثر مساءلة للقيادات والقرارات، فيما لم تنجح الفصائل في استيعاب هذه التحولات أو التعامل معها بأدوات مختلفة.
في الماضي، كان لدى الفصائل رصيد من الثقة والمكانة التاريخية والنضالية يسمح لها بتمرير قرارات ومواقف من دون الحاجة إلى شرح جميع تفاصيلها أو إقناع الجميع بها. وكانت قطاعات من الفلسطينيين تتقبل قرارات صعبة انطلاقاً من ثقتها بقياداتها وتاريخها وتضحياتها، حتى عندما لا تفهم كل الحسابات والاعتبارات التي تقف وراء تلك القرارات. كانت الثقة، في كثير من الأحيان، تختصر وقت الإقناع وتمنح القيادة مساحة للتحرك.
أما اليوم، فقد تغيرت هذه المعادلة. أصبح كل قرار بحاجة إلى تفسير، وكل موقف بحاجة إلى تبرير، وكل خطوة ت فتح باباً للنقاش والتساؤل. وليس بالضرورة أن يكون ذلك دليلاً على أن الناس أصبحوا أقل التزاماً أو أكثر صعوبة، بل إنهم لم يعودوا مستعدين لمنح ثقتهم لمجرد اسم الفصيل أو تاريخه، من دون أن يروا أداءً مقنعاً، أو يشعروا بأنهم شركاء في القرار، أو يلمسوا نتائج عملية للسياسات التي تُتخذ باسمهم.
والمشكلة الأعمق أن الفصائل لم تستوعب بعد حجم هذا التحول. فكلما تراجعت ثقة الناس بها، ازدادت صعوبة إقناعهم، وكلما عجزت عن إقناعهم، تراجعت الثقة فيها أكثر. وهكذا دخلت العلاقة بين الطرفين في دائرة مغلقة، يصعب الخروج منها بالخطاب التقليدي أو باستدعاء التاريخ النضالي وحده.
في السابق، كان من الممكن تمرير قرار خلال دقائق بالاعتماد على الثقة والمكانة، أما اليوم فقد يستغرق شرحه يوماً أو أسبوعاً من دون أن تتمكن القيادة من إقناع الناس به. ليست المشكلة بالضرورة في القرار ذاته أو في طريقة عرضه، بل في حجم الثقة المتبقية بين الطرفين. فعندما تضعف الثقة، يصبح حتى القرار الصحيح موضع شك، بينما تستطيع القيادة التي تتمتع بثقة الناس أن تشرح لهم القرارات الصعبة، وأن تطلب منهم تحمل أعباء استثنائية عندما تقتضي الظروف ذلك.
باختصار، كانت الثقة تختصر وقت الإقناع، أما اليوم فأصبح الإقناع شرطاً لاستعادة الثقة. وهذه معادلة مختلفة تماماً، لا يمكن للفصائل التعامل معها بالأدوات والأساليب القديمة، أو الاكتفاء بتحسين خطابها الإعلامي والسياسي، من دون تغيير حقيقي في ممارساتها وعلاقتها بالمجتمع.
ولا يمكن فصل أزمة الثقة عن تقادم النموذج الفصائلي نفسه. فالمشكلة ليست في أن الفصائل تأسست قبل عقود، أو أن الأجيال الجديدة تختلف عن الأجيال التي انخرطت في العمل الوطني في مراحل سابقة، بل في أن عدداً منها لم ينجح في تحويل خبرته التاريخية وتضحياته إلى قدرة متجددة على التعلم والتكيف. وخلال العقود الثلاثة الماضية، شهد العالم والمنطقة والمجتمع الفلسطيني تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية هائلة، تغيرت معها طبيعة الصراعات وأدوات العمل السياسي والنضالي، بينما بقيت فصائل كثيرة أسيرة بنيتها التنظيمية التقليدية، وآليات اتخاذ القرار ذاتها، وخطاب لم يعد كافياً للإجابة عن أسئلة الحاضر والمستقبل.
كما لم تنجح هذه الفصائل في إجراء مراجعات جادة لتجاربها، أو استخلاص العبر من إخفاقاتها، أو تطوير وسائل وأساليب نضالية وسياسية تتناسب مع المتغيرات. وبمرور الزمن، تآكل رصيدها النضالي، ولم تعد التضحيات السابقة ضمانة لاستمرار شعبيتها أو شرعيتها. فالتاريخ الوطني، مهما كان غنياً بالتضحيات والإنجازات، لا يمنح أصحابه تفويضاً دائماً، ولا يعفيهم من مسؤولية مراجعة خياراتهم وتحمّل نتائج قراراتهم.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
