في مثل هذه الأيام، بين 16 و18 أيلول، قبل أربعة وأربعين عاماً، لم تكن بيروت تعرف أن ليلها سيطول إلى هذا الحد، قبل أربعة وأربعين عاماً، لم تكن بيروت قبل أربعة وأربعين عاماً، لم تكن بيروت تعرف أن ليلها سيطول إلى هذا الحد، وأن اسمي صبرا وشاتيلا سيبقيان محفورين في الذاكرة الفلسطينية والعربية والعالمية، عنواناً لمجزرة ارتُكبت بحق مدنيين فلسطينيين عُزّل، فيما كانت قذائف الإنارة تشق سماء المخيمين، وت فتح الطريق أمام القتلة لارتكاب واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

لم تكن صبرا وشاتيلا مجزرة عابرة في سياق تداعيات الاجتياح الإسرائيلي للبنان واحتلال إسرائيل أول عاصمة عربية ، بعد حصار بيروت وخروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية منها، بل كانت جريمة سبقتها مقدمات سياسية وعسكرية تمثلت بالاجتياح عام 1982، ورافقها حصار ومراقبة وتواطؤ، ثم تُرك القتلة ليمارسوا جريمتهم، بينما كانت أضواء القنابل المضيئة تكشف لهم الأزقة والبيوت والمختبئين.

ثلاثة أيام كانت كافية لتحويل المخيمين إلى مسرح للموت.

دخل المسلحون إلى المخيمين تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي ومشاركته في بعض المحاور، وارتُكبت عمليات قتل جماعي بحق النساء والأطفال والشيوخ. اختلطت أصوات الرصاص بأصوات الهاربين، وبأزيز القناصة، وبهدير الآليات، بينما كانت الجثث تتراكم في الطرقات والبيوت.

وفي قلب تلك المأساة، بقيت تفاصيل صغيرة لا تقل فظاعة عن أرقام الضحايا: أبواب اقتُلعت، وأجساد عُثر عليها في البيوت، وحبال وجنازير، وأطفال ما زالت أطرافهم الغضة تتحرك في برك من الدماء، لم يفهموا لماذا تحول الليل فجأة إلى موعد مع الموت.

كانت المجزرة أكبر من قدرة الكلمات على الوصف.

كنت هناك.

كنت في العشرين من عمري. عشت أيام المجزرة بين أزقة صبرا وشاتيلا، وحاولت مع مجموعة من الشبان الدفاع عن سكان المخيمين. وحين نفدت الذخيرة، تحولت المهمة من التصدي للقتلة إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الناس، والتنقل بين البيوت، والبحث عن أماكن أكثر أمناً للعائلات المحاصرة.

لم تكن لديّ آنذاك القدرة على إدراك حجم ما يحدث. كنت شاباً يرى الموت بأم عينيه، ويرى أصدقاء وأحبة يسقطون، ويرى المخيم الذي كان يفترض أن يكون ملاذاً للاجئين يتحول إلى مكان لا يأمن فيه الإنسان على حياته.

هناك، بين الأزقة، رحل أحبة وأصدقاء شجعان، وظل تراب شاتيلا يحتضن العديد منهم.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد صبرا وشاتيلا بالنسبة لي مجرد ذكرى سياسية أو محطة في تاريخ القضية الفلسطينية؛ إنها جزء من العمر، وجرح يسكن الذاكرة ويمزق نياط القلب، وصور لا تملك السنوات القدرة على محوها.

كنت أظن أنني، بعد مرور كل هذه العقود، ربما أصبحت أكثر قدرة على احتمال رؤية الموت.

لكن غزة أعادتني إلى صبرا وشاتيلا.

كنت هنا في قطاع غزة، وعشت طيلة عامي الحرب في شماله. لم أكن أتابع الحرب من بعيد، ولم تكن غزة بالنسبة لي خبراً يصل عبر الشاشات؛ كنت داخلها، وسط النار والحصار والركام.

تعرضت أنا وأسرتي، كما الناس، للمجاعة، وعشنا ستة حصارات قاتلة في منطقة تل الهوا، في ظروف قاسية بلغ فيها الخراب والخطر حداً جعل المنطقة تكاد تخلو من البشر. تحملنا الصعاب، وتمسكنا بالبقاء، ونجونا.

لكن تجربتي لم تكن استثناءً. فما عشته أنا وأسرتي كان جزءاً من تجربة شعب بأكمله.

فغزة كلها عاشت الخوف والجوع والنزوح والفقدان، وكل عائلة تقريباً حملت نصيبها من الألم. الملايين وجدوا أنفسهم أمام السؤال ذاته: أين نذهب؟ أين نجد الماء والطعام؟ أين نحتمي؟ وكيف نحافظ على أطفالنا وأسرنا في حرب لا تترك مكاناً آمناً؟

وفي تلك الأيام، لم يكن الموت مشهداً نراه فقط، بل احتمالاً يرافق تفاصيل الحياة كلها. كان البحث عن الماء والطعام، وتأمين مكان يمكن الاحتماء فيه، والاطمئنان إلى أفراد الأسرة، جزءاً من معركة يومية من أجل البقاء.

وهذه ليست تجربة غزة وحدها. إنها صورة مكثفة من حياة الفلسطيني الذي عاش، على امتداد عقود، الاحتلال والحصار والتهجير والقتل والاستيطان ومصادرة الأرض، من مخيمات اللجوء إلى الضفة الغربية و القدس وقطاع غزة.

فما عشته شخصياً في صبرا وشاتيلا ثم في غزة ليس إلا جزءاً من الذاكرة الجمعية لشعب كامل؛ شعب وجد نفسه، جيلاً بعد جيل، مضطراً إلى مواجهة الموت، فيما يواصل التشبث بالحياة.

وفي كل مرة كنت أرى فيها بيتاً مدمراً، أو عائلة تبحث عن مكان آمن، أو طفلاً يحمل خوفه بين الركام، كانت صور صبرا وشاتيلا تعود إليّ.

هناك كنت شاباً في العشرين، أواجه الموت في أزقة المخيم، وألملم أشلاء الأطفال من بركة دماء في بيت أم حسين المغربي في زاروب الدوخي.

وهنا عشت الحرب بعد أن تجاوزت الستين، مع أسرتي. وكم من شهيد مجهول الهوية دفنته بيدي قبل أن تنهشه الكلاب، فيما أبناء غزة يواجهون الموت ذاته في كل شارع وبيت ومخيم، وينتظرون انتشال أشلاء آلاف المفقودين تحت الركام. وما زلت أنتظر رفات الشاعر سليم النفار وأسرته، لنواريهم الثرى في غزة التي أحب.

بين «هناك» و«هنا» أكثر من أربعة عقود.

لكن المسافة بينهما، في الذاكرة الفلسطينية، كانت أقصر من ذلك بكثير.

في صبرا وشاتيلا كانت قذائف الإنارة من طائرات الاحتلال تضيء سماء المخيمين للقتلة.

وفي غزة أضاءت سماء القطاع أطنان القنابل والصواريخ، فيما كان الناس يبحثون عن مكان آمن لا يجدونه.

في صبرا وشاتيلا كانت الجثث تتكدس في الأزقة والبيوت.

وفي غزة صار الركام مقابر مفتوحة، وصار العثور على الجثامين رحلة أخرى بين الأنقاض.

قد تختلف الأدوات، وقد تختلف التفاصيل والسياقات، لكن وجع الإنسان الفلسطيني واحد، واستباحة حياته ليست جديدة.

وهنا تكمن أهمية الذاكرة.

فالضحايا لا يحتاجون منا أن نبكيهم كل عام فقط؛ يحتاجون منا أن نتذكر لماذا قُتلوا، ومن ارتكب الجريمة، ومن وفر لها الحماية، ومن صمت عليها، ومن أفلت من العقاب.

بعد أربعة وأربعين عاماً، ما زال السؤال نفسه يطاردنا:

ماذا تغيّر؟

تغيّرت المدن، وتبدلت أسماء القادة، وتطورت أدوات القتل، لكن شيئاً جوهرياً لم يتغير: الإفلات من العقاب ما زال قادراً على حماية الجريمة والمجرمين، وفتح الطريق أمام تكرارها.

ولهذا فإن استعادة صبرا وشاتيلا اليوم ليست استعادة للماضي وحده.

إنها تذكير بأن الجرائم التي لا تجد عدالة حقيقية تصبح قابلة للتكرار.

حين لا يُحاسب المسؤولون عن الجرائم، وحين يصبح أقصى ما يواجهه القاتل بيان إدانة أو لجنة تحقيق أو كلمات في مجلس دولي، يصبح القانون تفصيلاً يمكن تجاوزه، ويصبح دم الضحية مجرد رقم في نشرة أخبار.

من هنا، فإن معركة الذاكرة هي أيضاً معركة من أجل العدالة.

نحن لا نستحضر صبرا وشاتيلا لكي نبقى أسرى الماضي، بل لكي نقول إن دماء الضحايا ليست مادة للذكرى الموسمية، وإن الذاكرة الفلسطينية ليست أرشيفاً للحزن، بل شهادة على الجريمة ورفض للنسيان والتزوير.

صبرا وشاتيلا ستبقيان شاهدتين؛ شاهدتين على جريمة حاول البعض طمس معالمها، وعلى عالم رأى ولم يمنع، وعلى ضحايا لم يحصلوا على العدالة التي يستحقونها.

وغزة شاهدة أخرى على أن التاريخ لم يغلق صفحته بعد.

فما عشته في غزة جعل استعادة صبرا وشاتيلا أكثر إلحاحاً، لا أقل. ليس لأن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، فلكل جريمة سياقها وظروفها، وإنما لأن منطق استباحة الفلسطيني، والقتل الجماعي، والتهجير، وتدمير البيوت، وغياب المحاسبة، ما زال حاضراً.

لقد عشت صبرا وشاتيلا شاباً في العشرين من العمر، وعشت غزة بعد أكثر من أربعة عقود.

هناك نجوت من المجزرة، وهنا نجوت مع أسرتي من عامين من الحرب والحصار والمجاعة. لكنني لم أكن وحدي في هذه التجربة؛ فقد كان شعب كامل يعيش المحنة نفسها، وإن اختلفت التفاصيل والأماكن.

ومن صبرا وشاتيلا إلى غزة، ومن جيل إلى جيل، أدرك الفلسطيني أن مواجهة الموت لم تعد حادثة استثنائية، بل تحولت، بفعل الاحتلال والحروب والحصار والتهجير، إلى نمط حياة يُفرض عليه قسراً.

ومع ذلك، لم يتحول الفلسطيني إلى مجرد ناجٍ من الموت.

فهو شعب يريد أن يعيش، ويحب، ويبني، ويحلم، ويتمسك بأرضه وحقوقه، ويناضل من أجل حريته وكرامته وحقه في تقرير مصيره.

ولهذا فإننا، في الذكرى الرابعة والأربعين، لا ننحني أمام أرواح ضحايا صبرا وشاتيلا بالحزن وحده، بل نستعيد أسماءهم ووجوههم ونقول لأطفالهم وأسرهم: لم ننسَ.

ونقول أيضاً إن غزة، بكل ما حملته من موت ودمار وفقدان، ليست رقماً جديداً في سجل المآسي الفلسطينية، كما أن آلام الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم ليست حوادث منفصلة، بل حلقات متصلة من معاناة شعب ما زال يناضل من أجل حريته وحقوقه الوطنية والإنسانية.

غزة صرخة في وجه العالم، كما كانت صبرا وشاتيلا.

صرخة تقول إن العدالة المؤجلة تتحول إلى شراكة في استمرار الجريمة، وإن الصمت أمام القتل لا يصنع السلام، وإن حماية الإنسان الفلسطيني لا يمكن أن تكون قضية موسمية.

صبرا وشاتيلا لا تزالان تنزفان في الذاكرة، وغزة تنزف أمام أعين العالم.

وبين المخيمين والقطاع، وبين شاب كان في العشرين من عمره ورجل عاش الحرب مع أسرته بعد أكثر من أربعة عقود، وبين تجربة فرد وتجربة شعب، يبقى الدرس الأوضح:

حين تغيب العدالة، لا تنتهي الجريمة؛ إنها تبحث عن مكان آخر.

لذلك سنبقى نتذكر.

من صبرا وشاتيلا إلى غزة، قد تُدمَّر البيوت، وقد يُقتل الأبرياء، وقد يُدفن الأحبة تحت الركام، لكن هناك شعباً لا يموت.

لن ننسى، ولن نغفر.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد