لم تشهد الحركة الوطنية الفلسطينية والواقع السياسي والحزبي أسوأ من الظروف التي نعيشها الآن، ليس فقط بسبب شراسة العدوان الإسرائيلي، الذي وصل إلى مستوى التمادي في الإجرام لم يسبق له مثيل في تاريخ الصراع بل في التاريخ الإنساني الحديث، بل كذلك لأننا دخلنا في حالة من العقم السياسي المزمن والفوضى التي قادت إلى كوارث لن نستطيع التخلص من تبعاتها ونتائجها التي حطمت واقعنا وأحلامنا. والمصيبة الأكبر تكمن في عدم اعتراف فصائلنا العاجزة بهذه المأساة وتتصرف وكأن شيئاً لم يحدث وتعيد تكرار الشعارات البائسة والمدمرة بحيث أصبحنا نسمع نفس الجمل التي سمعناها على مدى العقود الماضية والتي جزء منها كان سبباً فيما نحن فيه.
أكثر ما يستفز في الشعارات التي تكررها فصائلنا وهي منها براء هو شعار المقاومة، بل إن فصائل بعينها أصبحت تسمى المقاومة كما نسمع من قادة فصائل غزة وخاصة حركة « حماس » والمحللين السياسيين الذين يملؤون الفضائيات تحليلات سياسية عن فعل ومواقف المقاومة. 
وفي الواقع ما حصل في غزة سواء بهجوم السابع من أكتوبر وما قبله وما جرى في الضفة الغربية من بعض المظاهر المسلحة الاستعراضية هو إساءة لفكرة المقاومة وتقليصها بل حصرها في بندقية عاجزة وفي غير وقتها، بينما موضوع المقاومة وفكرتها الأساسية هي في مراكمة الإنجازات وصولاً لتحقيق كامل الأهداف الوطنية. فمنذ الانتفاضة الثانية مروراً بانقلاب «حماس» في غزة وانتهاءً بالمصيبة الكبرى في السابع من أكتوبر ونحن ندفع أثماناً دون مقابل بل نتراجع باستمرار وتتقلص مساحات السيطرة على مصيرنا وعلى أرضنا.
وللتذكير فقط، فالمشروع الصهيوني في صيغته الأكثر تطرفاً قائم على قدمين اثنتين: الأولى هي الاستيلاء على الأرض، والثانية هي تهجير السكان. 
ونحن ببراعة فصائلنا «المقاومة» مكنّا العدو من السيطرة على أكبر مساحة من الأراضي بعد أن كان الهدف الأهم لها هو القضاء على «اتفاق أوسلو» الذي سمح لنا بالسيطرة على مساحة لا بأس بها من الأراضي تقارب 40% من مساحة الأراضي المحتلة ومكننا من إقامة مطار ووضعنا حجر الأساس لبناء الميناء البحري وتحكمنا لدرجة كبيرة بمعابرنا الحدودية مع مصر والأردن حيث كانت الشرطة الفلسطينية على المعابر برقابة إسرائيلية من بعيد. 
وكان هناك ممر آمن يربط الضفة بغزة ويستطيع فيه الفلسطينيون التنقل بسياراتهم. وسمح الاتفاق بعودة عشرات الآلاف من المواطنين الذين عاشوا اللجوء في الخارج. بل فتح الطريق أمام التسوية الدائمة وكنا قاب قوسين أو أدنى من التوصل لاتفاق شامل، ولعل مفاوضات طابا في العام 2000 كانت المحطة الأبرز فيها.
تعالوا الآن لنحصي إنجازات «المقاومة». فهي كثيرة في الواقع، ولكن دعونا نركز على الأبرز. 
لقد ساهمت بفوز اليمين واليمين العنصري المتطرف في السلطة في إسرائيل. 
بل إن فصيلاً بعينه يتفاخر بأنه السبب في فوز بنيامين نتنياهو على شمعون بيريس، لأن الهدف القضاء على «أوسلو». 
وحققت إنجازاً آخر ببناء جدار الفصل العنصري، وسيطرة الاحتلال من جديد على كل الضفة الغربية و70% من مساحة غزة. 
بل إن غالبية الإسرائيليين الآن لا يؤمنون بحل الدولتين ويميلون إلى الضم والتهجير. وأضحينا تحت رحمة عصابات المستوطنين وجيش الاحتلال الإرهابي الذين ينكلون بالمواطنين على مدار الساعة، ثم أصبحنا الآن تحت وصاية دولية لا نملك من أمرنا شيئاً وننتظر أن تمن علينا الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لتنفذ بروتوكول نيكولاي ملادينوف وخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع التسليم بفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة على أمل أن نحسن السلوك، فيسمحون لنا بصلة ما بين السلطة وغزة.
والتهجير الذي يمثل حجر الزاوية الثاني في مشروع اليمين الإسرائيلي هو بانتظار فقط أن تفتح لنا أبواب الدول. 
ولولا الموقف المصري المشرف لكان غالبية سكان قطاع غزة خارج الوطن. والمواطنون في قطاع غزة مستعدون لدفع مبالغ كبيرة لضمان الخروج من غزة للنجاة بأنفسهم وليس رغبة في الهجرة. فالحياة في القطاع بفضل إنجازات «المقاومة» أصبحت جحيماً لا يطاق. 
والوضع في الضفة ليس جيداً بكل تأكيد ومعدلات الهجرة كبيرة، بسبب ممارسات الاحتلال والأوضاع الاقتصادية الصعبة. 
أي أننا ساعدنا بغبائنا وعقمنا السياسي في تحقيق بعض أحلام الصهيونية الدينية والمتطرفين الإسرائيليين.
واليوم تناقش الفصائل العظيمة موضوع الانتخابات دون أي مراجعة حقيقية للكارثة التي نحن فيها. 
وفعلياً لا يوجد لدى أي فصيل فلسطيني من «المقاومة» وخارجها أي مشروع سياسي يمكن مناقشته ويمكن أن يكون مدخلاً لحل أزماتنا المستفحلة التي هي نتاج لأزمة الفصائل. 
وللأسف حتى الآن لا يوجد أي بديل لهذه التنظيمات الفاشلة وبالتالي فالذي سينجم عن الانتخابات أو التوافقات في حال لم تجر الانتخابات في موعدها هو إنتاج نفس التركيبة الفاشلة التي لا يمكنها أن تفعل شيئاً لتغيير الواقع أو على الأقل خلق الأمل بحدوث التغيير. 
وموضوع الانتخابات وأي توافقات ليس أكثر من تقسيم للكعكة البائسة والمحاصصة التي شكلت في الحقيقة السبب في الانقسام والكوارث التي لحقت بنا. 
ولن يتم إصلاح حالنا دون خلق أحزاب سياسية جديدة تقوم على عنصر الشباب المتحرر من إرث الفصائلية المقيت والذي يفكر في المستقبل بنظرة واقعية تقوم على تعزيز صمود المواطن وضمان حياة كريمة له على الطريق لتحقيق الاستقلال الوطني. 
فهذا هو المعنى الحقيقي لمقاومة الاحتلال، وهذا هو ما لا تفهمه فصائلنا حتى لو تحدثت عنه أحياناً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد