فرضت الحرب التي اندلعت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 واقعاً جديداً تجاوزت آثاره حجم الدمار المادي، إذ أصابت البنية الحضرية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية بضرر بالغ وعميق. في الوقت الذي تشير تقديرات دولية إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة ستمتد لسنوات طويلة، في ظل خسائر واسعة في الإسكان والبنية التحتية والاقتصاد والخدمات الأساسية، وهو ما يجعل الحديث عن العودة إلى ما قبل الحرب تفكيراً غير واقعي، ويستدعي تبني نموذج جديد للتخطيط والتنمية يستجيب للتحولات التي فرضها الواقع الجديد اذ يعتقد الكثيرين ان التحدي الحقيقي امام قطاع غزة خلال السنوات المقبلة يكمن في إزالة ملايين الأطنان من الركام أو إعادة تشييد آلاف المباني المدمرة فقد أثبتت التجارب الدولية في مراحل التعافي بعد النزاعات أن إعادة بناء المدن واستنهاضها تتطلب منظومة حوكمة تخطيطية قادرة على إدارة الموارد، وحماية الحقوق، وتوجيه الاستثمارات والمنح والهبات، والتبرعات وبناء جسور الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

فلم يعد مفهوم إعادة الإعمار كونه مشروعاً هندسياً يقتصر على إزالة الركام و فتح الطرق وإعادة بناء المباني فقط ليتحول الي مشروعاً تخطيطياً تنموياً شاملاً يعاد من خلاله بناء هيكلية المدن في محافظات قطاع غزة ومؤسساته ومجتمعه وفق رؤية استراتيجية متكاملة ومستدامة ما يجعلنا نطرح سؤلاً عن اي نموذج تنموي يطمح الفلسطينيون بنائه في قطاع غزة بعد الحرب؟ وفي هذا السياق يستدعي اعادة تسليط الضوء علي المخطط الإقليمي لقطاع غزة باعتباره الأداة الاستراتيجية الأهم لتنظيم استخدامات الأراضي وتوجيه التنمية، وحماية الموارد، وتحقيق التوازن بين النمو السكاني والعمراني والإمكانات المحدودة.

غير أن هذا المخطط لم يعد قادراً بصيغته السابقة على التعامل مع المتغيرات التي فرضتها الحرب الأمر الذي يفرض إعادة صياغته ضمن رؤية وطنية حديثة تقوم على الحوكمة والتنمية المستدامة والمرونة الحضرية. ومن خلال مراجعة المخطط الإقليمي لقطاع غزة وقراءة نقدية لمسار التخطيط خلال العقود الماضية، مع الأخذ بعين الاعتبار آثار الحرب الحالية علي قطاع غزة، يتبين لنا أن المخطط تعرض عبر مراحل مختلفة إلى تجاوزات وانحرافات مؤسسية وتطبيقية حدّت من قدرته على أداء وظيفته الاستراتيجية. ويمكن إرجاع هذه الانحرافات إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها ضعف إنفاذ التشريعات التخطيطية، وتعدد المرجعيات الإدارية، وتسييس بعض القرارات المتعلقة باستخدامات الأراضي، إلى جانب التوسع العمراني غير المنظم، والاعتداءات على بعض الأراضي العامة والزراعية والأثرية، وغياب التحديث الدوري للمخطط بما يواكب التحولات الديموغرافية والاقتصادية. كما فرضت سنوات الحصار والحروب المتكررة أولويات طارئة غلبت عليها الاستجابة الإنسانية على حساب التخطيط بعيد المدى. وفي ظل هذه الظروف، اتسعت أنماط البناء غير المنظم، وتزايد الضغط على البنية التحتية، وتراجعت قدرة المؤسسات على إدارة المجال الحضري وفق رؤية متكاملة.

ولا يمكن فهم هذه الاختلالات بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي قيد عمل المؤسسات الفلسطينية وأضعف قدرتها على تنفيذ سياسات تخطيطية مستقرة ومستدامة. لقد كشفت الحرب الأخيرة حدود هذا النموذج التخطيطي، لكنها في الوقت ذاته فتحت نافذة حقيقية لإعادة التفكير من جديد في مستقبل التنمية العمرانية والحضرية في قطاع غزة. كما ان محافظات قطاع غزة لم تعد بحاجة إلى إعادة إنتاج المخطط الإقليمي السابق، وإنما تحتم الاولوية إلى صياغة مخطط إقليمي جديد يعكس الواقع الديموغرافي والعمراني والاقتصادي المستجد، ويضع أسساً حقيقياً أكثر صلابة لإدارة التنمية خلال العقود المقبلة، قائمة علي الابتكار والإبداع والحوكمة الرشيدة.

ويقتضي ذلك الانتقال من مفهوم إعادة الإعمار إلى مفهوم اكثر استشرافاً للمستقبل عبر إعادة التأسيس التنموي الشامل. فالمخطط الجديد ينبغي أن يعيد تعريف العلاقة بين الأرض والإنسان والاقتصاد، وأن يوازن بين متطلبات الإسكان، وحماية الأراضي الزراعية، وصون البيئة الساحلية، وتطوير شبكات النقل والمواصلات والاتصالات والخدمات المقترنة بالتحول الرقمي، وتعزيز الاقتصاد المحلي، مع مراعاة محدودية الموارد الطبيعية وضيق المساحة الجغرافية. فنجاح أي مخطط جديد لن يتحقق ما لم يُبنَ على منظومة حوكمة فعالة. فالتجارب المقارنة تؤكد أن التمويل، مهما بلغ حجمه، لا يحقق النتائج المرجوة في ظل غياب مؤسسات تتمتع بالشفافية، والمساءلة، والكفاءة، والفاعلية، والتنسيق، والتخطيط المتكامل والرقابة.

كما ان عملية إعادة إعمار غزة تستوجب بنائها وفق مرجعية وطنية موحدة، تقوم على التكامل بين المؤسسات الحكومية، والهيئات المحلية، والقطاع الخاص، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن توجيه الموارد وفق أولويات تنموية واضحة، عنوانها الشراكة والتشاركية. كما تبرز الحاجة الملحة إلى بناء قاعدة بيانات حضرية موحدة، وتحديث منظومة المعلومات الجغرافية، واعتماد التخطيط القائم على الأدلة المتطورة، بما يعزز جودة القرارت ويحد من التداخلات وتعدد المرجعيات التي أضعفت فاعلية التخطيط في المراحل السابقة. فالتخطيط الحديث لم يعد يعتمد على الخرائط وحدها، بل أصبح يستند إلى البيانات الدقيقة، والتحليل المكاني، والتقييم المستمر للمخاطر والاحتياجات، وفق أفضل الممارسات العالمية في تصميم المدن الذكية.

ولا يقل أهمية عن ذلك ترسيخ مفهوم العدالة المكانية، بحيث تصبح إعادة الإعمار فرصة لتقليص الفجوات التنموية بين مختلف مناطق القطاع، وضمان توزيع أكثر توازناً للخدمات العامة والاستثمارات والبنية التحتية، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويحد من مظاهر التفاوت التي تفاقمت بفعل الحرب.

وفي هذا الإطار نجد من الضرورة بمكان التفكير في إنشاء هيئة وطنية مستقلة للتخطيط وإعادة الإعمار، تضم خبرات هندسية واقتصادية وقانونية واجتماعية، وتعمل وفق معايير مهنية واضحة، مع إخضاع أعمالها لآليات رقابة ومساءلة تعزز ثقة المواطنين والمانحين على حد سواء. فنجاح عملية الإعمار لا يقاس بالضرورة بحجم الأموال التي ستنفق، بقدر ما نحتاج الي منطومة من المؤسسات القادرة على تحويل هذه الموارد إلى تنمية مستدامة عابرة للاجيال قائمة على التخطيط المبني علي الحوكمة الرشيدة.

قطاع غزة يقف اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخه الحديث فالدمار الذي خلفته الحرب، على قسوتها، تشكل فرصة كبيرة وحقيقية لإعادة بناء نموذج تنموي أكثر كفاءة وعدالة واستدامة، إذا أحسن استثمارها فلسطينياً. ويبقى الرهان امام الجميع ليس في سرعة إعادة البناء، وإنما في جودة النموذج التخطيطي الذي سيُبنى عليه مستقبل مدن قطاع غزة واجيالها القادمة.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار والمخططين والقائمين علي اعادة إعمار قطاع غزة في كيف سنبني مدناً أكثر قدرة على الصمود، وأكثر عدالة، وأكثر استعداداً واستقراراً واستدامة لمواجهة المستقبل؟ وعليه ستشكل الإجابة عن هذا السؤال قياس ما إذا كانت إعادة الإعمار ستبقى كاستجابة طارئة ومؤقتة للدمار، أم انها ستتحول إلى مشروع وطني يعبر عنه بتأسيس قطاع غزة على أسس مؤسسية وتنموية أكثر استدامة..

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد