يأتي قرار إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 في بيئة سياسية وأمنية لا تبدو مختلفة جذريًا، من حيث انسداد الأفق، عن البيئة التي سبقت انفجار 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد أعلنت الرئاسة الفلسطينية أن الانتخابات ستجرى في موعدها، فيما حددت لجنة الانتخابات المركزية المواعيد التفصيلية للترشح والدعاية والاقتراع.
مقارنات:
لكن المقارنة بين التاريخين تكشف مفارقة خطيرة. ففي أكتوبر 2023 كانت غزة تعيش حصارًا وانقسامًا سياسيًا وغيابًا للأفق التفاوضي، بينما كانت الضفة الغربية تعاني توسع الاستيطان والعنف الإسرائيلي وأزمة الثقة بالسلطة. 
بعد قرابة ثلاث سنوات، أصبح المشهد أكثر تعقيدًا: الحرب وما خلفته من دمار، واستمرار الاستيطان، وتصاعد عنف المستوطنين، وفرض قيود على الحركة، وتوسع مشاريع السيطرة الإسرائيلية على الأرض. في وقت لا تزال تحذر فيه الأمم المتحدة (أغسطس 2026) من أن الوضع في الضفة وصل إلى نقطة الانهيار، مشيرة إلى دفع أو الموافقة على نحو 12,360 وحدة استيطانية منذ بداية العام، فضلًا عن تخصيص 431 مليون دولار لدعم إنشاء 34 مستوطنة جديدة.
إذا كان السابع من أكتوبر انتحار سياسي في غزة، فإن اعلان اجراء انتخابات تشريعية في الضفة الغربية بمثابة انتحار سياسي اخر مع فارق التوقيت والطريقة، من هنا يمكن فهم وصف الانتخابات بأنها مجازفة قد تتحول إلى انتحار سياسي، ليس لأن الانتخابات بحد ذاتها خطأ، وإنما لأن السلطة قد تذهب إلى تجديد الشرعية في لحظة لا تملك فيها الأدوات الكافية لحماية نتائجها أو تحويلها إلى مسار سياسي ينهي الاحتلال والانقسام. فإذا أصبح النقاش الفلسطيني محصورًا في سؤال من يحكم؟ فتح أم حماس ؟، فقد تنتقل المسؤولية السياسية من مواجهة الاحتلال والاستيطان إلى صراع داخلي حول الشرعية والحكم، بينما تستمر الوقائع الإسرائيلية على الأرض.
استطلاعات الرأي: 
وتزداد خطورة هذا الاحتمال بسبب أزمة الثقة الداخلية. فقد أظهر استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أغسطس 2026 أن 79% يريدون استقالة الرئيس محمود عباس ، وأن 44% يقولون إن لا فتح ولا حماس تستحقان قيادة الفلسطينيين. وبين الناخبين المحتملين تحصل فتح على 32% وحماس على 29% والقوى الثالثة على 18%. وهذا يعني أن الانتخابات قد لا تكون مجرد تجديد للصراع الثنائي، وإنما اختبارًا لانهيار النموذج السياسي التقليدي نفسه.
أزمة القيادة داخل حركة فتح: 
وفي داخل فتح تظهر مؤشرات إضافية على أزمة القيادة. فقد قاطع جبريل الرجوب و محمود العالول اجتماعات للجنة المركزية الجديدة احتجاجًا على طريقة إدارة الملفات وانتخاب حسين الشيخ نائبًا لرئيس الحركة. الرجوب نفسه وصف المقاطعة بأنها خطوة احتجاجية بسبب ما اعتبره خروجًا عن تقاليد الحركة وإرثها الديمقراطي، بينما أفادت تقارير بأن توزيع المفوضيات بقي موضع خلاف.
هل الانتخابات مناورة من أجل لملمة حركة فتح في الضفة؟ 
وهنا تظهر مناورة سياسية محتملة يمكن تحليلها، لا إثباتها كحقيقة نهائية: عندما تتسع الخلافات داخل فتح، يصبح استدعاء خطر حماس، أو الحديث عن قوة محمد دحلان وتأثيره، وسيلة محتملة لإعادة تجميع التيار الفتحاوي حول القيادة المركزية. بمعنى آخر، قد يتحول الخطر الخارجي أو المنافس الداخلي إلى أداة لإدارة الخلاف الداخلي. وربما يستخدم الرئيس عباس عصا الانتخابات ملوحاً بها أما اللجنة المركزية. 
 
الخطر الحقيقي إذن ليس في صندوق الاقتراع، بل فيما بعد الصندوق. فإذا أنتجت الانتخابات برلمانًا منقسمًا، أو منعت مشاركة قوى رئيسية، أو رفضت إسرائيل النتائج، أو عجزت السلطة عن إدارة تداعياتها، فقد تصبح الانتخابات عاملًا جديدًا لتفجير الساحة الفلسطينية.
 في 2023 انفجرت غزة لأن السياسة فقدت قدرتها على إنتاج مخرج؛ وفي 2026 قد يصبح الخطر أن يُطلب من الفلسطيني أن يعالج بأصواته أزمة سياسية وأمنية يتجاوز حجمها قدرة أي انتخابات على حلها.
ومن هنا فإن الانتخابات لن تكون انتحارًا سياسيًا إذا كانت جزءًا من إعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني تشمل منظمة التحرير، والرئاسة، والمجلس التشريعي، وإنهاء الانقسام، وتجديد القيادة، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والفصائل. أما إذا كانت مجرد آلية لتجديد الوضع القائم وإعادة توزيع الشرعية بين فتح وحماس، فقد تتحول إلى إعادة تدوير للأزمة، وربما إلى انتحار سياسي جماعي لا يقتصر ثمنه على فتح أو حماس، بل يدفعه المجتمع الفلسطيني كله.
قد يكون عباس قد وصل إلى قناعة بأن أدوات المسار السياسي التقليدي لم تعد قادرة وحدها على إنتاج دولة فلسطينية، وأن الانتخابات يمكن أن تصبح وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية الفلسطينية، ونقل كلفة الانسداد السياسي إلى إسرائيل والمجتمع الدولي، مع قبول مخاطر أن تنتج الانتخابات قوة سياسية جديدة لا يستطيع التحكم بها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد