إصدار اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون جهاز الأمن العام «الشاباك» قرارا يوفر الحماية مدى الحياة ل بنيامين نتنياهو وزوجته، ولمدة خمس سنوات لنجليهما بعد الانتخابات، وذلك عشية حل الكنيست وتحديد موعد الانتخابات العامة القادمة، يبدو شكلا من أشكال «ضمان» المستقبل الشخصي لرئيس الحكومة الإسرائيلية، الذي تؤكد استطلاعات الرأي أنه في طريقه إلى مغادرة المسرح السياسي أخيرا بعد أن أمضى فيه ثلاثة عقود كلاعب رئيس، بل كبطل مطلق للعبة السياسة الإسرائيلية الداخلية والخارجية، بحيث إنه لم يحقق فقط الرقم القياسي، كرئيس حكومة أمضى أطول وقت في المنصب، وإن كان بشكل غير متواصل، ولكنه أعجز خصومه الذين تتابعوا واحدا بعد الآخر، سواء في «الليكود»، أو في اليمين أو في المعارضة، دون أن ينجح احد في إلحاق الهزيمة به، إلا في استثناء يؤكد القاعدة، وكان ذلك بعد أول ولاية له كرئيس حكومة، حين هزمه أيهود باراك في انتخابات العام 1999، وأخرجه من رئاسة الحكومة بعد ولاية أولى له فيها، لكنه تعلم الدرس جيدا، فعاد للمنصب، وبقي يمسك بخيوط لعبة السياسة الداخلية، حيث عاد بعد ثلاث سنوات كوزير خارجية في حكومة شارون.

قد يبدو طول المدة التي أمضاها نتنياهو في قيادة إسرائيل سواء كرئيس حكومة أو كوزير في اكثر من حكومة، أو حتى كزعيم معارضة، أمرا عاديا، لكن التاريخ يسجل له انه قاد اليمين منذ ما بعد اتفاق أوسلو، ليس لشق طريق مضاد تماما لطريق أوسلو، بل إلى تغيير طبيعة وجوهر الدولة التي أقيمت العام 1948، كدولة ذات مواصفات غربية، تقودها مؤسسات نخبة «الأشكناز»، بحيث لم تعد الطوائف الأخرى مجرد أصوات انتخابية لليمين، مدفوعة بالاحتجاج على التمييز لصالح الأشكناز في مؤسسات الدولة على حساب كل الطوائف الأخرى، من سفارديم ومزراحيم وغيرهما، بل صارت قوة متطرفة مع المستوطنين الذين أخذ بيدهم شيئا فشيئا، وبعد أن أوصلهم إلى الكنيست بـ»البيت اليهودي» ثم «الصهيونية الدينية» و»القوة اليهودية»، فتح لهم أبواب الحكومة، إلى أن بات معهم وبالاستناد اليهم يبشر بدولة إسرائيل الكبرى، متجاوزا ليس فقط قرار التقسيم، ولا حل الدولتين، بعد أن اغلق مسار أوسلو بالكامل، بل ذاهبا إلى «حلم» لاهوتي، عبر عنه بوضوح في ذروة حربه على الشرق الأوسط حين قال، إنه في مهمة تاريخية وروحية هي «إسرائيل الكبرى».

لأكثر من سبب، كانت ولاية نتنياهو الأخيرة حاسمة على الصعيد الشخصي بالنسبة له، ومن بين أسباب ذلك انه قد تقدم في العمر، فهو الآن بعمر 77 سنة، أي انه في الولاية القادمة سيتجاوز الثمانين، وهو عمر صعب على القادة والرؤساء أن يمارسوا الحكم فيه لسنوات قادمة، لكن الأهم من ذلك انه ملاحق من قبل المحاكم الإسرائيلية بتهم الفساد، وكان منصب رئيس الوزراء يوفر له الحصانة، وهو بحكم دهائه، بإمكانه وهو في المنصب أن يجد الحيلة المناسبة دائما، للتهرب من جلسات القضاء، وفعلا حدث هذا كثيرا خلال الفترة الماضية، بحجة متابعة الحرب، أو تلقي اتصالات سياسية، أو مقابلات أو ما إلى ذلك من مهمات رسمية.

ورغم أن مشروع نتنياهو في الانتقال من الدولة غربية الطابع في حدود التقسيم، وحتى في حدود حل الدولتين، إلى إسرائيل الكبرى، قد تعثر ما بين عامي 2019 ــ 2023، حين شكلت المعارضة الحكومة البديلة، وقبل ذلك حين اضطرت إسرائيل لإجراء 3 انتخابات كنيست في عام واحد، بسبب عدم حصول أي من المعسكرين المتنافسين على الأغلبية البسيطة لتشكيل الحكومة، إلا أن نتنياهو وجد ضالته أخيرا بعد انتخابات 2023، لأن مثلث ائتلاف الحكم المشكل من اليمين الليكودي واليمين المتطرف والحريديم فاز بأغلبية 68 مقعدا، أي بأغلبية يهودية مريحة، دون العرب بالطبع، وبفارق ثمانية مقاعد كنيست عن المعارضة والعرب مجتمعين، لذلك سرعان ما بدأت الحكومة المتطرفة تشن حربها في كل الاتجاهات، وبدأت بجهاز القضاء، لتغيير مؤسسات الدولة وتحويلها إلى أدوات لتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، لكنها ووجهت برد فعل شعبي عارم، لم يقتصر على المعارضة السياسية، بل شمل مؤسسات ما يسمى الدولة العميقة، أي الجيش والشرطة وأجهزة الأمن التي أظهرت امتعاضها من محاولة حكومة اليمين المتطرف تفكيك مؤسسات الدولة التقليدية.

أمضى نتنياهو وحكومته عاما كاملا في مقارعة المتظاهرين، الذين سجلوا سابقة، لم يسبق لإسرائيل أن شهدتها، وهي التظاهر أسبوعيا أيام السبت، في مدن المركز الرئيسة، من اجل حماية القضاء، وضد «تغول» أو تنمر التطرف الحكومي على دولة القانون، إلى أن وقع «طوفان الأقصى»، وهو عمليا ثمرة ما زرعه نتنياهو من «نبتة شر» الانقسام الفلسطيني الداخلي، وكان يظن بأنه يقوم بتربية قط أليف بالجوار، ليجد القط قد صار ذئبا، المهم أن نتنياهو صار مثل غريق سرعان ما أمسك بقشة النجاة، وكانت هي الحرب، وفعلا استطاع من خلال مواصلة الحرب، وتوسيع رقعتها، التي لم تقتصر على احتلال قطاع غزة فقط، ولا على مواصلتها لأسابيع أو اشهر، بل تحولت إلى حرب بلا نهاية وبلا حدود، ليجد نفسه يعلن ــ في ذروة تحقيق منجز عسكري ميداني استراتيجي، حين اغتال حسن نصر الله، وبعد أن نجح في زج أميركا في أتون الحرب ضد ايران ــ بأنه يؤدي مهمة تاريخية روحية، هي إقامة إسرائيل الكبرى، ضمن عملية تفكيك وإعادة تركيب الشرق الأوسط.

رغم أن نتنياهو في مسيرته لم يقطع الطريق على حل الدولتين، بوقف عجلة أوسلو وحسب، ولم ينجح فقط في تبديد اليسار، الذي حقق العام 1992 انتصاره الصاخب بحزبي «العمل» و»ميرتس»، لكنه بات يجرؤ على إعلان أهداف لم يجرؤ احد ولا حتى مناحيم بيغين أو اسحق شامير، ولا أريئيل شارون على التلفظ بها، وهي قيام إسرائيل الكبرى، ورغم ما حققه حتى الآن، إلا أن الحرب حين وصلت محطتها الأخيرة، راوحت مكانها، فهو بعد أن نجح في جر أميركا للحرب ضد ايران، خاصة في حرب الأربعين يوما، مع مخطط اعده «الموساد» بعد حصيلة عمل وإعداد عقود طويلة، ألقى خلالها بكل ما لديه من «عملاء في ايران» ومن أوراق المعارضة الإيرانية، وحتى كيان الجوار الكردي المعادي لإيران، ورغم نجاح تلك الحرب في مفتتح البداية، المتعلق بالاعتماد على التفوق الجوي، والقوة الاستخباراتية، ونقصد اغتيال المرشد الإيراني وعدد من قيادات الدولة السياسية والعسكرية، إلا أن ايران لم تسقط، بل قارعت لمدة أربعين يوما متواصلة القوة الأميركية الطاغية والقوة العسكرية الإسرائيلية المتفوقة، بما أسقط في يد دونالد ترامب بالتحديد.

المهم الآن، ولم تكتمل المهمة التاريخية والروحية لنتنياهو، فإن إشارات خسارته للانتخابات شبه مؤكدة، وإن كان سيظل حتى الرمق الأخير يمارس ألاعيبه بحيث إن المرجح هو أن يراهن على عدم قدرة الخصوم على الحصول على الأغلبية دون العرب، بينما يظل مصير نتنياهو مرتبطا بمواصلة الحرب التي اشعلها في الشرق الأوسط، لتبقي على بصيص الأمل لديه في البقاء بهذا الشكل أو ذاك، وإذا كان مصير نتنياهو الذي ارتبط بالحرب، صار أقرب للخروج من الباب الضيق لمسرح السياسة، فإن مستقبل إسرائيل المرتبط بالسلام، بات عالقا بعد أن غامر به نتنياهو وألقى به في مراهنات إسرائيل الكبرى، وهو المشروع الذي جمع فرقاء الشرق الأوسط ليصيروا جميعا أعداء لإسرائيل، بعد أن عزلتها حرب الإبادة عن مجمل العالم، وبات مستقبل إسرائيل معلقا بعقب ترامب، ولأن ترامب نفسه خارج من مسرح السياسة العالمي بعد عامين، وربما يتحول من اللاعب الرئيس إلى مجرد كومبارس، بعد الانتخابات النصفية القادمة، فكل هذا يعني بأن مستقبل إسرائيل محفوف بالخطر.

لذا فإن الانتخابات الإسرائيلية حاسمة لجهة تقرير مستقبل الدولة، وإن كانت ستظل عالقة بمغامرة نتنياهو على طريق إسرائيل الكبرى، أم تعود لحل الدولتين فتتعايش مع الإقليم، في سلام وامن، وهذا يحتاج إلى اكثر من فوز المعارضة في الانتخابات، يحتاج برنامج سلام واضحا، لكن إسرائيل بتركيبتها السياسية الداخلية الغائب عنها اليسار العلماني، المستند لدولة المؤسسات الأشكنازية، عاجزة عن العودة عن طريق الشوك الذي عبّده نتنياهو خلال ثلاثة عقود، بينما أميركا على العكس منها، في طريقها للتأقلم مع المتغير الكوني، بتقدم اليسار الاجتماعي في الحزب الديمقراطي، وهذا قد ينعكس إيجابا على إسرائيل، الدولة التي باتت بحاجة إلى من يأخذ بيدها، بعيدا عن طريق الشر الذي وضعها فيه نتنياهو. بهذا المعنى، ربما كان أكثر فائدة لإسرائيل أن تجري الانتخابات النصفية الأميركية قبل انتخابات الكنيست، حتى ينعكس التغير الداخلي الأميركي على تغير داخلي في إسرائيل، لكن من يدري ربما تعجز نتيجة انتخابات الكنيست عن تشكيل حكومة جديدة، إلى حين ظهور نتائج انتخابات الكونغرس النصفية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد