ثمة قضيتان توجبان التوقف تعكسان حجم الأزمة التي تعيشها الحالة الوطنية والمخاطر التي تحيق بها.
تتمثل الأولى في نشر أوراق بخط يد يحيى السنوار يتوقع فيه أن تضرب إسرائيل غزة بالسلاح النووي رداً على العملية التي كان يخطط لها، فيما تتمثل الثانية في ازدواجية التمثيل الفلسطيني في مؤتمر بروكسل بحضور رئيس الوزراء.
بعد نشر تعليمات يحيى السنوار بخط يده، لم يعد بإمكان قيادة حماس أن تزعم بأنها لم تكن تتوقع ردة الفعل الإسرائيلية على عملية السابع من أكتوبر ورمي التبريرات على عاتق الاحتلال ووحشيته، لم يعد يكفي هذا لنفي صلة الحركة بالنتائج الكارثية لما جرى.
بالطبع الاحتلال مسؤول عن كل شيء في نهاية المطاف ولكن حين يقوم فصيل بعملية عسكرية ويعرف أن النتيجة ستكون تدمير قطاع غزة ومحاولة تهجير سكانه وقتل أكثر من ٦ بالمائة من المواطنين فإن الأمر يتعدى الاحتلال ويتطلب مساءلة وطنية حقيقية.
لنتفق أن حماس لم تنفِ أن الوثيقة المنشورة هي من كتابة السنوار.
مثلاً انبرت الحركة وفي بيان شديد لنفي صحة ما ورد في تقرير صحافي عن حياة الضيف في أيامه الأخيرة.
عموما حين تتوفر وثيقة بخط اليد فإن كل الذباب الإلكتروني لا يجدي نفعاً فخط اليد مثل البصمة ونظرة العين لا تتطابق بين اثنين.
مع أن الكثيرين تمنوا أن لا يكون الأمر صحيحاً لهول ما ورد في الوثيقة.
عموماً ما حدث هو أن غزة مسحت عن بكرة أبيها، وإن لم يتم باستخدام سلاح نووي بل عبر كل الأسلحة الأشد فتكاً.
وبعبارة أخرى فإن غزة وأهلها ليسوا في حسابات من خطط وأشرف على السابع من أكتوبر، كما هي وأهلها ليسوا في حسابات كل النشطاء والمهللين والمطبلين خارجها وهم يناضلون من خلف شاشات التلفاز أو الكمبيوتر، حيث غزة وقود لنضالاتهم الوهمية وهي «مفقسة» تنتج لهم أبطالاً كي يموتوا على مذبح الصراخ ونشوة الانتصارات الوهمية.
والخطر أن ما كشف عنه لم يثر أي ردة فعل من الفصائل ولم يستدعِ نقاشاً حقيقياً وكأنه أمر عادي جداً.
طبعاً كثيرون لم يفاجئهم الأمر فهم مبكراً تحدثوا عن أيديولوجية حماس والإخوان الذين لا يهمهم أي شيء خارج دائرة أسرة المسجد وفلسطين ليست أكثر من شعبة من شعب الإخوان.
الكل ظل صامتاً حتى فتح وخليتها الأولى وناطقوها كأن الأمر لا يعني أحداً، ولم يجرؤ أحد على أن يطالب حركة حماس بتوضيح.
قلت مراراً على هذه الصفحة إن حماس مدينة باعتذار كبير للشعب الفلسطيني وقلت إن ثمة حاجة وطنية لعملية محاسبة ومساءلة جدية تنتج عنها قرارات وطنية حاسمة ورادعة، ولكن يبدو أن إبراهيم طوقان لم يكن محقاً فقط حين تغنى بجمال البلاد وهو ينشد «موطني» بل أيضاً حين قال: «وطن يباع ويشترى/ وتصيح فليحيا الوطن».
الأمر الآخر هو التمثيل الفلسطيني المزدوج في مؤتمر المانحين في بروكسل حيث حضر وفد من الحكومة برئاسة محمد مصطفى ووفد من لجنة غزة برئاسة علي شعث .
وربما الصادم أكثر الحديث عن لقاء بين شعث ومصطفى للحديث عن التنسيق.
بداية الحكومة أعطت انطباعاً بأن مؤتمر بروكسل يشكل فتحاً جديداً في فكفكة الحصار المفروض على السلطة وأنه سيشهد قرارات مهمة ستعمل على إخراج السلطة من أزمتها المالية، فيما هو مؤتمر روتيني ودوري تعقده دول الاتحاد الأوروبي من أجل مناقشة استراتيجية تدخلاتها في فلسطين وحضره قبل ذلك في دوراته السابقة رؤساء الوزراء السابقون حتى حين عقد في صيغ وأطر مختلفة وقام وقتها الاتحاد بتعهدات مالية ضمن نطاق تدخلاته في بعض القطاعات.
هذه ليست القضية هنا على أهميتها، حيث إن القضية الأساسية هي قبول رئيس الوزراء بالمشاركة في محفل دولي يتم فيه تكريس ازدواجية التمثيل الفلسطيني ويتم فيه الإقرار بأن غزة لها من يمثلها ومن يتحدث باسمها وهو، أي هذا الممثل والمتحدث، ليس تحت مظلة التمثيل الرسمي العام.
من السهل صياغة عبارات كبيرة وردود تقع في باب الكلاشيهات من باب أن كل شيء في نهاية الأمر مردوه للسلطة، لكن ما كان يجب فعله كان يحتاج لموقف بعدم الحضور أو أن يتم الطلب من علي شعث أن يكون جزءاً من وفد الحكومة الفلسطينية ويجلس خلف رئيس الوزراء مثل بقية أعضاء الوفد.
لو تم ذلك سيكون صحيحاً أن كل شيء يتم بالتنسيق مع السلطة وأن لجنة غزة ليست حكومة مستقلة بل هي جهاز فني يتبع الحكومة.
وحتى لو كانت هذه الحقيقة وحتى لو كان مجلس السلام شكل اللجنة التي رحبنا بها دون علمنا كان يجب محاربة أي ازدواجية في التمثيل مهما كان الثمن.
قال معين بسيسو، الذي تمر مئوية مولده هذا الخريف: «إنْ قُلتَها مُتّ، وإن لم تَقُلها مُتّ، إذن، قلها ومُتْ»، ربما وجب موقف أكثر حزماً لأن هذه سابقة لن تكون بعد ذلك اليتيمة.
وبشكل عام فإن ثمة انزياحات باتت ملحوظة وجدية لرسم مصير مختلف لغزة عن المصير الوطني العام، ويظل الرهان على الانتخابات العامة القادمة أن تحافظ على قدر معقول من رسم المصير المؤسساتي المشترك بين الضفة وغزة؛ ما يوجب عملاً جدياً من أجل الحفاظ على هذا القدر المعقول.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
