بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الإثنين الماضي، أن بلاده ستفرض رسوماً بنسبة 20% من قيمة البضائع التي تمر عبر مضيق هرمز، يكون قد منح هذا الحق لإيران، دون أن يقصد بالطبع، ويكون قد أظهر أحد دوافع الحرب التي شنها على إيران، بعد إغارته على فنزويلا مطلع العام الحالي، بل أكثر من ذلك يكون قد قام بتلخيص مجمل السياسة الخارجية التي ينتهجها منذ عام ونصف العام، أي منذ دخل البيت الأبيض في ولايته الثانية، وصار رئيساً للدولة الأميركية بكل جبروتها وقوتها، وكذلك بمكانتها الدولية التي تهتز منذ زمن، فيما احتار الجمهوريون والديمقراطيون الأميركيون، منذ ثلاث ولايات رئاسية، حول الطريقة الأنسب لتثبيت أركان نظامهم العالمي، الذي أقاموه على المحور الأميركي الوحيد، منذ انهيار جدار برلين، وانتهاء الحرب الباردة.

جرب ترامب في ولايته الأولى التركيز على الحرب التجارية، بفرض تعرفة جمركية على البضائع الصينية على نحو خاص، بعد أن بدأ ولايته الأولى بالتحرش العسكري بكوريا الشمالية، ولم تفلح أميركا، ثم جرب الديمقراطيون التركيز عبر ولاية جو بايدن على روسيا بدلاً من الصين، وذلك بشن حرب عليها بالوكالة الأوكرانية، آملين بسقوط فلاديمير بوتين، وكسر الحلقة القوية عسكرياً المساندة للحلقة الصينية الأقوى اقتصادياً، ولم يحققوا هدفهم، فجاء ترامب مجدداً ليطلق حرباً تجارية شعواء، طالت العدو والصديق، ولم يحقق ما كان يصبو إليه، فسارع إلى القيام بعمليات «السطو المسلح»، وحقق منجزاً لافتاً في فنزويلا، ثم جاء إلى الشرق الأوسط من مدخل السلام الكاذب، صياداً في المياه العكرة، ومستغلاً حرب الإبادة ل غزة ، وحتى لا ينسى الناس، نذكرهم بالقول أنه بدأ حديثه عن ملف غزة، بتهجير سكانه، وتحويل القطاع إلى «ريفيرا شرق أوسطية»، للحصول على المال الوفير، الذي يملأ جيوب أثرياء الشرق الأوسط.

ثم كانت زيارته الخارجية الأولى إلى الشرق الأوسط والتي اقتصرت على دول الخليج، ولم تشمل حتى إسرائيل، والسبب كان مكتوباً بخط عريض على اللوحة في مركز المدينة، وهو أن هذه الدول ثرية، وهو يريد المال، عبر الاستثمار أو التبرع، أو شراء الأسلحة، أو فول الصويا، أو مقابل أي شيء.

ولأسباب لها علاقة بإسرائيل، نسي مبادرة السلام، ومجلسها، الذي وعد بأن يكون مجلساً للسلام العالمي، وقد نسي الأمر، لسبب بسيط وواضح، وهو أنه لم يحصل على رسوم عضوية الدول، البالغة مليار دولار من كل عضو، تجاوزوا حسب دعوته الأولى لهم الستين عضواً، أي أن كل ما يهم ترامب هو الحصول على المال بأي شكل ومن أي كان، وذلك لأن الصراع الصيني الأميركي ذو طابع اقتصادي بين أكبر اقتصادَين عالميَّين، أحدهما ذاهب ليكون الأول في المستقبل القريب، استناداً إلى نسبة نمو تزيد على 5% سنوياً ناجم عن جهد وعمل ملايين الصينيين، والثاني يتآكل، وهو حالياً الأول بسبب من مكانة أميركا كدولة تدير النظام العالمي، وتتحكم بممرات التجارة العالمية - المائية بالتحديد - وتسيطر على العالم بقوتها المتمثلة في أكثر من 750 قاعدة عسكرية منتشرة في أنحاء العالم، وكذلك مما تحصل عليه من «عمولة» مالية جراء اعتماد عملتها «الدولار الأميركي» كعملة تداول عالمية عبر نظام «سويفت».

ظن ترامب - وكل ظنه إثم - أنه قادر على اصطياد أكثر من عصفور مالي بحجر واحد، أي بعملية عسكرية واحدة، وقد زين له «الشيطان» الإسرائيلي، الذي يتطلع بدوره للسيطرة على الشرق الأوسط منفرداً، في سياق تحضير دولة إسرائيل لمرحلة ما بعد النظام الأميركي العالمي، فكانت حربهما معاً على إيران، وللتأكيد على أن إقدام ترامب على شن الحرب ضد إيران لم يكن مجرد تغرير إسرائيلي به، فهو وقد فعل هذا في فنزويلا، ومن قبل ذلك بإيران في حزيران العام الماضي، أي أنه يقدم على عمليات «السطو المسلح» تماماً مثل لصوص البنوك، هو يقدم على الحروب الخاطفة، وقال: إنه سيخوض حرباً لمدة أربعة أو ستة أسابيع، وفعلاً خاض الحرب مع إيران لنحو ستة أسابيع، ثم توقف، دون إنهاء الحرب، وكان يظن أن الحرب المشتركة مع إسرائيل ستسقط النظام الإيراني بشكل سريع، وتضع إيران في جيبه، كما كان حال فنزويلا، وهو قال هذا علناً، بل وأعلن مطالبه مبكراً، حين قال: إنه يريد من إيران أن تقطع علاقتها الاقتصادية مع الصين، وأن تصبح حليفته، وأن يصبح النفط الإيراني في جيبه، مثل النفط الفنزويلي.

جاءت رياح الحرب بما لم تشتهيه سفن ترامب، وكان أحد أهم ما أسفرت عنه أنها أظهرت أهمية وخطورة مضيق هرمز، حين استخدمته إيران بمهارة بالغة للضغط على الاقتصاد العالمي، وكذلك على الاقتصاد الأميركي، على شكل تضخم ضغط عليه، إضافة لصمود إيران عسكرياً، ونفاد المخزون الأميركي من العتاد، خاصة الصواريخ الاعتراضية، ولهذا قالت إيران، عن وجه حق: إن إدارة هرمز وحركته لن تكون بعد الحرب كما كان حالها قبل الحرب، وعرضت إيران أكثر من اقتراح ينسجم من جهة مع قوانين الملاحة الدولية، التي تقر في جوهرها بحق الدول المشاطئة في إدارة المعابر الملاحية المائية، فإن كان الممر المائي يمر في أرض دولة واحدة، مثل قناة السويس، فإن لمصر الحق الحصري في إدارة القناة، أما إذا كان الممر يقع بين دولتين أو أكثر، فإنهما تديرانه معاً، واقترحت إيران أولاً أن يكون هرمز شأناً خليجياً خالصاً تشكل دول الخليج العربية مع إيران لجان إدارته المشتركة، وعلى نحو خاص الدولتان المشاطئتان لهرمز بالتحديد، وهما إيران وسلطنة عُمان.

ومن الطبيعي بعد أن تعذر اتفاق الدولتين، أن تذهب كل واحدة لممارسة سيادتها على الشاطئ الذي يخصها، ويحدد مياهها الإقليمية، وهنا لا بد من ملاحظة أن الجانب الإيراني أقوى، لأن الممر المحاذي لإيران من هرمز هو الممر الأعمق، أي القادر على استيعاب مرور البواخر الأكبر حجماً، والأثقل وزناً وحمولة، ومسار الدور الذي لعبه مضيق هرمز في الحرب يؤكد تماماً أنه بات عقدة الحرب والسلام في الشرق الأوسط، وقد ذهبت أميركا في محاولة خداع إيران مجدداً، كما فعلت عدة مرات قبل سنوات، عبر التوصل لوثيقة التفاهم، من أجل إفلات ورقة هرمز من بين يديها، ومن ثم عدم الالتزام بتنفيذ الوثيقة، بل باتت أميركا غير مهتمة ليس فقط بالصواريخ الإيرانية وحلفائها، بل ببرنامجها النووي، وبات كل ما يهمها هو هرمز.

البند الخامس في وثيقة التفاهم نصّ على أن إدارة المضيق من حق إيران، واكتفى بالقول بفتحه مقابل فك الحصار الأميركي البحري، وذلك دون مقابل لمدة ستين يوماً، هي مدة وثيقة التفاهم المؤقتة على أي حال، وأميركا كان كل ما يهمها هو أن تفك قبضة إيران عن المضيق بما يسمح بمرور السفن وهبوط أسعار النفط، لكن إيران «لم تندلق» سريعاً أمام الطعم الأميركي، لذلك عاد المضيق ليشهد التوتر، بل التراشق العسكري مجدداً، وكان ترامب قد أعلن منذ زمن أنه يفكر هو في إدارة المضيق، وذلك بعد أن كان يطالب إيران فقط بأن تسمح بمرور السفن، مع أن إغلاق المضيق يعود وبالنسبة الرئيسية إلى حالة التراشق بالنار بين المتحاربين، فليس من المنطقي أن تبحر السفن التجارية وناقلات النفط في مضيق بحري ضيق، في ظل التراشق الناري، وفي ظل إطلاق الصواريخ وإغارة الطائرات الحربية.

إلى أن أعلن ترامب بصراحة ووضوح، أنه يريد فرض رسوم بنسبة 20% من قيمة ما يمر في المضيق من تجارة، وذلك مقابل حماية السفن كما يقول، وهذا يعني أنه مع مرور 11% من التجارة العالمية، وما بين 20 - 30% من تجارة النفط، و29% من تجارة الغاز، تكفينا الإشارة إلى ما سيحصل عليه من تجارة النفط فقط، وهي 20 مليون برميل، بسعر أكثر من 60 دولاراً للبرميل، يعني أنه سيحصل على نحو ربع مليار دولار يومياً، أو ما يقترب من مئة مليار دولار سنوياً. بل أكثر من ذلك قال ترامب، الإثنين الماضي، للصحافيين في البيت الأبيض: إنه يريد من دول الخليج العربية أن تعوّض أميركا عن خسائرها في الحرب، وكأنه قد خاض الحرب بطلب منها، وليس بالضد من إرادتها لصالح إسرائيل، وبدافع من رغبته في السطو على المال والنفط، بل وتسبب لها بخسائر باهظة، إن كان جرّاء تعرّض مدنها وأراضيها للصواريخ الإيرانية التي استهدفت القواعد الأميركية، دون أن يهتم ترامب بنصب منصات «ثاد» عليها، لأن أولويته كانت إسرائيل، أو جرّاء إغلاق المضيق، حيث معظم نفط دول الخليج يمر عبره، أو تلك الخسائر غير المنظورة، التي تمس التبادل التجاري والاستثمار الذي تراجع بسبب التوتر في المنطقة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد