للوهلة الأولى، من الصعب التكهن بنجاح إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني وفقاً للمرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس محمود عباس قبل شهر خصوصاً بعد أن ألغيت في نيسان 2021 بسبب منع إسرائيل إجراءها في القدس بالإضافة طبعاً لأسباب أخرى داخلية، فهناك من الموانع ما يكفي للإلغاء مرة أخرى. فلن تسمح إسرائيل بأن تتم في القدس وهذا كما هو معروف كفيل بعدم إنجازها، لكن أيضاً هناك ما يكفي من المؤشرات التي تدفع باتجاه التفكير بنجاحها، أولها صمت متطرفي حكومة نتنياهو الذين كادوا بالأمس يشرعون ضم الضفة الغربية، يصمتون تجاه مرسوم بممارسة سيادة فلسطينية داخل الضفة والقدس، فالانتخابات أحد أبرز رموز تلك السيادة.
هل يشي هذا الصمت باتفاق ما ربما مع الولايات المتحدة، وإلا لما أمكن إصدار هذا المرسوم في ظل غضب يميني ذاهب باتجاه الانتخابات الإسرائيلية التي تتحول إلى مزاد علني بين المتنافسين للنيل من الحقوق الفلسطينية، فعندما تم ربطها بانتخابات المجلس الوطني كان واضحاً بسبب استحالة وتعقيدات الانتخابات خارج البلاد أن تلك وحدها ستمنع الفلسطينيين من الوصول للحظة الصندوق، ولكن مع فك ارتباط التشريعي مع الوطني يصبح الأمر قابلاً للتنفيذ وخصوصاً مع الفصل عن انتخابات الرئاسة وهذا لا يمكن تجاهله كسبب شديد الأهمية وكمؤشر قوي.
لكن هذا لا يهم كثيراً في سياق التفسير، فإذا لم تجرَ الانتخابات المصممة بعد الانتخابات الإسرائيلية حيث يمكن أن يكون نتنياهو وجوقة اليمين قد غادروا الحكم، فكفى الفلسطينيين شر الانتخابات. ولكن إن جرت الانتخابات في ظل وضع شديد التعقيد والالتباس وفي ظل المسكوت عنه من انقسام شديد بين مجتمعين فلسطينيين تكثف هذا بعد السابع من أكتوبر، حين انقسم الفلسطينيون بين مؤيد ومعارض لحركة حماس التي ذهبت للحد الأقصى من المعادلة وما بين قطاع غزة الذي دفع وحده الثمن الفادح كمعارض للطوفان باعتباره كلفه الجغرافيا والديمغرافيا والمكان والبيت والأحبة من الأبناء وبين الضفة المؤيدة إعجاباً بالسابع من أكتوبر وربما إذا ما جرت الانتخابات ستكون هذه العملية هي محور النقاش المركزي بين الفلسطينيين.
في أحد لقاءاتي التلفزيونية فاجأني صديق رئيس مركز دراسات بقوله، إن استطلاعات المركز منذ عقدين حول أولويات الفلسطينيين كانت مختلفة ومتباعدة بين الضفة وغزة، فبينما ظلت غزة لسنوات طويلة ترد على سؤال أولويتها كان الجواب الدائم في كل الاستطلاعات «إنهاء الانقسام» فيما لم يشكل إنهاء الانقسام أي أولوية لدى المستطلعين من الضفة الغربية. وجاء السابع من أكتوبر ليزيد أزمة البرنامج والخلاف السياسي وطبيعة الصراع مع إسرائيل وما بين تأييد الضفة لحركة حماس والطوفان وبين رفض غزة للطوفان وحركة حماس حتى قبل العملية نفسها، ستكمن مشكلة جديدة لم يحسب لها الفلسطينيون حسابا.
العملية ليست بحاجة لمركز دراسات لنعرف اتجاهات التصويت. فبين آخر انتخابات فلسطينية والآن دخلنا في عصر «السوشيال ميديا» التي تساعد إلى حد ما في فهم اتجاهات الرأي العام، وبالتالي ستصوت الضفة الغربية بأغلبيتها لحركة حماس فيما سيكون التصويت في قطاع غزة ضد حركة حماس، وهنا سيجد الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة أمام نتائج لا تعكس حقيقة ميولهم السياسية والاجتماعية ولا تعبر عن برنامجهم ولا رؤيتهم.
وبشكل يخلط الجد بالهزل بالألم بالغرابة بالتشوه الحاصل، هل من حق الضفة الغربية أن تعيد فرض حركة حماس مرة أخرى على الغزيين؟ أهذا ما ستعبر عنه الانتخابات؟ كابوس آخر للغزيين؟. والسؤال بشكل أكثر سخرية: هل من حق غزة أن تحرم شقيقتها الضفة الغربية من خلال انتخابها لحركة فتح أو التيار الوطني أن تحرم الضفة من متعة طوفان هي شديدة الإعجاب به تنتظر أن يحدث عندها وعلى أرضها وبين بيوتها وحواريها ومدنها وقراها؟ فبأي حق يمكن لغزة أن تتسبب بهذا الحرمان لمجتمع يتمنى أن يجرب الطوفان؟ تلك معضلة انتخابية لا تقل مأساوية عن عدم إجراء الانتخابات نفسها طالما أنها ستنتج ما يتعارض مع المواطن بالمعنى الجغرافي والنفسي. فغزة لديها جرح كبير وانكسار يحتاج لسنوات وعقود وتتمنى أن تترك وحدها ترمم جرحها الغائر دون أن يفرض عليها أحد. فما الحل أمام هذه المعضلة؟
مأزق ربما لم يحسب له الفلسطينيون حساباً، فالضفة هي الخزان الانتخابي الأكبر والسلطة لم تقدم من الأداء ما يقنع بجدارتها إدارياً رغم واقعية برنامجها والمواطن لا يذهب للانتخابات وفقاً لرؤية عاقلة وقد ثبت ذلك في غزة التي اندلقت لتنتخب «حماس» قبل عقدين لتتلقى نتيجة تصويتها رغم أن الضفة لم تكن أقل تواضعاً في انتخاب «حماس»، لكن هذا يشكل نموذجا حول الوعي السياسي المدمر والانسياق لبرامج غير واقعية آنذاك ثبتت عملياً كلفتها ولا زالت تتمسك بها الضفة وأصواتها التي لم تجرب الخراب بعد ..... ولأن الكتلة التصويتية الأكبر في الضفة يصبح السؤال ماذا لو جرت الانتخابات فعلاً وأفاقت غزة على فوز حركة حماس بالأغلبية؟ فقبل أن تلقي بنفسها في البحر يجب حل تلك المعضلة قبل الانتخابات ... هذا إذا جرت.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
