فهم الواقع دوماً يوفر خسارات لا ضرورة لها، وإنكار الواقع يعني زيادة في التكاليف.

تلك معادلات خارج الجدل السياسي. فقد أنتجت المعارك على امتداد مساحة الكرة الأرضية ما يكفي من الدروس لمن أراد التعلم، ولكن حين يكون الفرق بين من يقرأ الواقع المرئي وبين من ينتظر الغيب يصبح الحديث في السياسة بلا معنى، فتتداخل نظريات متضادة ومتعارضة لتحول الأمر إلى مسالة كاريكاتورية يصعب التفاهم حولها وليس على الشعوب إلا أن تدفع صاغرة ثمن المزيد من الكوارث.

منذ ثلاثة أيام قتلت إسرائيل سبعة من عناصر الشرطة في منطقة الفالوجا بجباليا، وقد كثفت ضرباتها لكل مظهر من تلك المظاهر في إشارة شديدة اللهجة لحركة حماس بأنها لن تقبل بحكمها للقطاع.

وكان مفهوماً منذ الأيام الأولى للحرب أن إسرائيل ذاهبة باتجاه سحق الحركة التي ذهبت بعيداً في معادلة القتال ولن تسمح لها بالحفاظ على أي من ممكنات القوة سواء عسكرية أو مدنية أو مالية أو اقتصادية بل ستبقى تلاحقها.

هذا المسعى كان يتزامن مع مصالح إسرائيلية أكبر بتغيير ديمغرافي للقطاع المؤرِّق، فتلك فرصة لن تتكرر لتحويل خطأ حدث منذ عام 48 حين ندمت إسرائيل لأن دباباتها لم تقف عند حدود مصر بعد أن تكون طردت السكان أي الشعب الفلسطيني نحو سيناء.

لا أحد يتصور بقاء حكم الحركة ولا قوتها، فهذا يتعارض مع الإجماع الإسرائيلي من أقصى يمينه إلى أقصى اليسار ومرتكزات الأمن القومي التي طرأت عليها تعديلات  بعد السابع من أكتوبر أبرزها الكف عن سياسة إبقاء حماس واستغلالها لإدامة الانقسام بين الفلسطينيين، وهي النظرية التي سادت لعقدين سابقين وانتهت الآن.

لكن الحركة التي ترى كل هذا الإجماع ما زالت تأمل بأي تطور يمكن أن يحدث تغييراً لتلك التوجهات على نمط انتصار إيراني ساحق يقلب المعادلة لصالحها أو سقوط بنيامين نتنياهو وبالتالي يحدث تغيير في سياسات إسرائيل أو شيء قدري يغير الواقع وأشياء من هذا القبيل.

لكن هذا المنطق الذي لا يجسده واقع تعرضت فيه الحركة لهزيمة عسكرية كبيرة قتلت فيها إسرائيل قيادتها العسكرية والسياسية وكثيراً من مقاتليها واستنزفت وقصفت أسلحتها وتركتها نازفة منهكة، وهو ما كان يقتضي التفكير بجدية بالخروج من مأزق تقف فيه غزة على بعد تسعة أشهر من تهدئة تراوح مكانها بالنسبة لمعاناة الغزيين.

لكنها ليست كذلك بالنسبة لإسرائيل التي قتلت خلالها ما يقارب 1100 فلسطيني وظل الخط الأصفر يزحف ليقضم 70 % من أرض القطاع، والمعابر ما زالت مغلقة والمساعدات قليلة بينما حماس تجتهد لتمارس الحكم من شرطة وضرائب وأمن.

فهم الواقع دوماً ما يفكك الأزمات المعقدة. فقد بتنا أمام معادلة شديدة الوضوح، الخطة الأميركية والعالم والعرب وأوروبا والفلسطينيون في غزة ومعهم القوة الغاشمة الإسرائيلية التي تتحكم بقطاع غزة لا يريدون حماس لا حكماً ولا قوة ولا إدارة ولا أي شيء، وإن لم تستحب حماس سيكون هناك مزيد من الدمار ومزيد من معاناة الغزيين، ولا تنتهي الأزمة بما يريد كل هؤلاء بل بعجز حماس أمام القدرة على تغيير تلك الحقيقة، فلا هي قادرة على المواجهة ولا حماية الناس ولا حماية نفسها ولا عناصر شرطتها ولا حتى حماية سلاحها، بل تحول استمرار وجودها لنزيف دائم لشعب كامل يعيش في غزة بعد أن استدعت التوحش الإسرائيلي ليقوم بأبشع جريمة   تجاهه.

إن لم تتنحَ حماس سيعاني الغزيون أكثر، هذه هي المعادلة على بساطتها وحماس تفاوض منذ تسعة أشهر بلا أي نتيجة، لا أحد يعرف ماذا تقدم بخصوص السلاح الذي لم يعد قادراً على حماية نفسه أو على الموظفين الذين يجب حل أزمتهم مع الوسطاء تحديداً قطر بعيداً عن خطة ترامب، فإسرائيل التي كانت تقرر توزيع المئة دولار الشهرية هل ستقبل بتمرير موظفين لحماس في إدارة غزة ؟.

إذا كان الأمر بهذا الشكل فماذا يعني تعليق حياة ومستقبل ومصير وعذاب مليونين من البشر بسبب حماس ؟ وخاصة أن الأخيرة استدعت له خراباً لم يره منذ النكبة ، فلماذا تصر على استكمال حكم الغزيين وماذا ستقدم لهم أكثر مما قدمت من برامج هاوية لا علاقة لها بالسياسة، برامج تتكئ على الأحلام والغيبيات ولا علاقة لها بإعمال العقل في حسابات السياسة التي هي بحاجة لحسابات شديدة الدقة وشديدة الذكاء وإلا المغامرة بالشعوب.

ضرب عناصر الشرطة أمر لا يمكن الاستهانة به، فإسرائيل تريد الفوضى وهي الوسيلة الأبرز في تحطيم المجتمعات، والمجتمع الفلسطيني بعد الحرب الشرسة والمجاعة فقد كثيراً من ضوابطه الاجتماعية وهو على أهبة الاستعداد للفوضى التي تخدم مشروع الرحيل عن غزة والهجرة التي لم تسقط بعد عن جدول الأعمال.
المأساة أن إسرائيل تعرف ماذا تريد، بينما حماس بالمقابل تسير على غير هدى مهما بلغت النتائج، وهي معضلة صاحبت الحرب وما بعدها وصاحبت الأوراق المتطايرة بين القاهرة وتل أبيب. وكالعادة بانتظار آخر ورقة الآن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد