لم يكن حضور العرب صورياً ولا تكملة عدد هذه المرة في الحدث الكروي الأهم، المونديال، بل كان لافتاً حيث حققت المنتخبات العربية إنجازات مستحقة ومهمة عكست تطورا واضحا في كرة القدم العربية في السنوات الأخيرة. في لحظة معينة ارتفع سقف التوقعات العربية وبات من الممكن الطموح للوصول للمربع الذهبي واجتياز الأسوار الشائكة التي تلفها حوله المنتخبات الكبرى التي احتكرته لعقود طويلة، بل إن تجاوز هذه المنتخبات أيضاً بات سهلاً ولم يعد عصياً أو مستحيلاً. كانت مشاهدة أداء بعض المنتخبات العربية ممتعة ومشوقة وتشعر المرء بالقليل من الأمل بأن الحضور العربي الباهت في الكثير من المحافل الدولية قد يكون لافتاً على الأقل في كرة القدم.
كانت تلك السيكولوجيا هي ما دفعت لهذه المتابعة الكثير من قبل الجماهير العربية. هناك تعصب كبير للعبة الأجمل في الكثير من نواحي العالم، وفي بعض الدول يرتبط التعصب لا بالمتعة بل أيضاً بالولاء والهوية كما هو الحال مثلاً في أميركا اللاتينية التي شكلت منتخباتها قوة حضور لافتة في نسخ المونديال السابقة منذ قرابة مائة عام. في الحالة العربية، يبدو أن ثمة سيكولوجيا مختلفة وراء المتابعة الشعبية للمونديال. بداية لا بد أن نتذكر أن بعض الدول العربية لديها دوريات تحظى بمتابعة جماهيرية قوية تصل حد التعصب وتشكل مباريات الفرق المشتركة في هذه الدوريات منافسات قوية وتفاعلا كبيرا داخل المجتمع. وربما لن يكون صدفة أن أشهر الدوريات والمنافسات العربية موجود عملياً في أقوى منتخبين عربيين ألا وهما مصر والمغرب. في مصر، تبدو منافسة الدوري واحدة من الأحداث التي يكاد يتابعها كل مواطن هناك، ولعل الصراع الحاد والتنافس الشرس بين ناديي الزمالك والأهلي يعكس ليس قوة الدوري بل ما تتمتع به الكرة من متابعة وشعبية في الشارع المصري. كذلك الأمر بالنسبة للدوري المغربي الذي يوجد به فرق تحظى بألتراس قوي ومؤثر خاصة نادي الوداد ونادي الرجاء البيضاوي. كذلك الأمر أيضاً في دول مثل الجزائر وتونس حيث بعض الفرق الرياضية تتمتع بمتابعة جماهيرية قوية وتسجل حضوراً لافتاً في المنافسات القارية على صعيد أفريقيا.
كل هذا انعكس على قوة المنتخبات الوطنية لهذه الدول وصار اكثر وضوحاً مع التداخل بين قوة الأندية الوطنية والجواهر المهاجرة في الأندية الأوروبية ما أعطى زخماً كبيراً لهذه المنتخبات وبات يعكس نفسه بقوة اكبر في أداء تلك المنتخبات والنجاحات الكبيرة التي صارت تحققها. ورغم أهمية المحترفين في الخارج إلا أن اللاعبين من الفرق الوطنية يشكلون قوة مهمة في تلك المنتخبات. مثلاً منتخب مصر، فقط أربعة لاعبين منه من المحترفين فيما البقية من الأندية الوطنية. ما اقصده أن البناء الذاتي للدوريات المحلية والتراكمي أيضاً ساهم بشكل كبير في بناء قدرات المنتخبات الوطنية.
في الحالة العربية الآسيوية، يبدو الأمر اقل خفوتاً، فمثلاً رغم كل محاولات السعودية لبناء دوري قوي ورفده بعشرات الأسماء الكبيرة على مستوى العالم إلا أن أداء المنتخب السعودي كان مخيباً للآمال. لم ينعكس حضور اللاعبين الكبار لا على حضور الأندية السعودية عالمياً ولا على أداء المنتخب السعودي الذي كانت الجماهير العربية تنتظر منه أكثر مما فعل بكثير. الدوري السعودي الذي يحفل بأسماء أندية كبيرة مثل النصر والهلال وبوجود لاعبين بحجم رونالدو وبنزيما وبونو وقبل ذلك نيمار كان سادس أكثر الدوريات في العالم مساهمة في أعداد اللاعبين في المونديال. كل هذه الأرقام لم تنعكس على قوة الحضور السعودي الذي فاجأ العالم في مونديال قطر بهزيمة الأرجنتين الذي سيتوج لاحقاً باللقب. الأمر أيضاً مقلق بالنسبة للمنتخبات العربية الأخرى في الخليج التي شاركت في المونديال أكثر من مرة خاصة قطر والإمارات حيث لم تكن النجاحات بقدر التوقع. كذلك الأمر بالنسبة للمنتخب العراقي الذي لم تكن هذه مشاركته الأولى في المسابقة. بيد أن الأوضاع في العراق يمكن أن تجد مبرراً لذلك. وفيما يبدو من المبكر الحكم على المنتخب الأردني من أول مشاركة له في المحفل الكروي الدولي فإن المنتظر منه سيكون كبيراً في حال تأهل المرة القادمة خاصة مع قوة الدوري الأردني والتفاعل الشعبي الكبير معه سيكون المنتخب الأردني قادراً على تقديم الأفضل. لقد كانت المشاركة بحد ذاتها إنجازاً كبيراً ووضعت الأردن على خارطة الكرة العالمية.
وبالعودة للسيكولوجيا العربية فإن الأمر لم يكن مجرد كرة قدم، بل السعي للشعور بالنصر ولو عبر كرة القدم. في زمن التراجع والهزائم وانعدام المكتسبات والشعور المرير بالتبعية السياسية والاقتصادية فإن هدفاً في مرمى هولندا أو الأرجنتين يشكل انتصاراً لأمة لم تعرف الأهداف في أي محفل آخر. السيكولوجيا العربية الباحثة عن الأهداف كانت ترى في كل مباراة عربية صراعا من اجل استعادة الكرامة. في ظل هذه السيكولوجيا تتحول كل مباراة إلى معركة من اجل البقاء واثبات الذات.
المؤكد أن مباراة مصر والأرجنتين شهدت تزويرا مقصودا ولم يكن الأمر مجرد تقديرات خاطئة من الحكم بل كانت قرارات متعمدة من اجل إخراج مصر من المنافسة، كما أن مباراة المغرب مع فرنسا كانت مخيبة للآمال بشكل كبير حيث كان أداء المنتخب المغربي ضعيفاً مقارنة بكل مبارياته السابقة. ومع ذلك فثمة حقيقة مؤكدة أيضاً بأن المنتخبين حققا إنجازات كبيرة في المنافسة. لوهلة ولولا التحكيم كانت مصر ستطيح بحامل اللقب وتدخل مربع الثمانية. كان سيبدو الأمر مبهجاً لو تم.
عموماً من الواضح أن الكرة العربية قطعت شوطاً لا تراجع عنه فالمنتخب المغربي في منافستين متتاليتين يتمكن من حجز مقعد له في الأدوار الإقصائية المتقدمة كما أن منتخب مصر لأول مرة يفوز وينافس في الأدوار الإقصائية. المونديال القادم سيقدر له مرة أخرى أن يكون عربي التنظيم حيث تشارك المغرب إسبانيا والبرتغال في تنظيمه.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
