يشكل إدراج بلدة سبسطية في قائمة التراث العالمي في اجتماع بوسان في كوريا الجنوبية قبل أيام انتصاراً جديداً للرواية الفلسطينية وتتويجاً لجهود كبيرة في مواجهة أكاذيب الدعاية الصهيونية التي تريد أن تسرق كل شيء في البلاد. بهذا الإدراج تنضم سبسطية إلى المواقع الفلسطينية الأخرى المدرجة في قائمة «اليونسكو» مثل الخليل وبتير و بيت لحم ودير القديس هيلاريون (تل أم عامر) في غزة بجانب البلدة القديمة وأسوارها في القدس . وجاء قرار الاجتماع مؤكداً على الإبقاء على مدينة القدس القديمة وأسوارها، والبلدة القديمة في الخليل، ودير القديس هيلاريون، وبتير على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهو بذلك يفند المزاعم الإسرائيلية بالحفاظ على مواقع التراث. والمؤكد أن الإشارة للقدس ولما تتعرض له من مخاطر أمر مهم في ظل عمليات التهويد والأسرلة المستمرة لتغيير المدينة وتاريخها وتزويره. 
سبسطية البلدة التاريخية تتعرض كل يوم لعمليات نهب وتدمير لموقعها الأثري الذي يتجاوز وجوده مرحلة تاريخية معينة، ومع ذلك يظل الأثر التاريخي الأبرز فيها هو المدرج الروماني الشهير وأعمدته التاريخية، فيما تتوزع بقية المواقع التاريخية في البلدة على حقب تاريخية مختلفة بعضها تحاول دولة الاحتلال نسبه لوجود مملكة اليهود في المنطقة، وهي إشارات مثل كل التاريخ المختلق لا تستند إلى أي أثر مادي حقيقي بل إلى مقاربات ومرويات تنتسب أكثر للإيمان ونزوع الناس الفطري نحو قصص الأنبياء والقديسين. إنه النزوع الذي جعل في فلسطين أكثر من مقام للنبي صالح وأكثر منها لسيدنا الخضر وعشرات المزارات لأولياء لم يدخلوا فلسطين. عموماً، دائماً وجب التنويه إلى الوجود «الماقبل» الكتب السماوية. صحيح أن أهمية فلسطين وبلاد كنعان التاريخية بالنسبة للعالم أنها بلاد مقدسة رغم أن الكثير من الأحداث تظل موضع جدل باستثناء الثابت والمؤكد مادياً منها، ولكن الحضارة في بلاد كنعان لم تبدأ بظهور الديانات السماوية وكل البلدات والمواقع التاريخية كانت موجودة أو أنها بنيت فوق مواقع كانت موجودة سابقاً أو تم تغير اسمها وفق الحضارة واللغة. وعليه وجب دائما التركيز على هذا الوجود «الماقبلي» للأحداث الواردة في الكتب المقدسة حتى لا نقع في مصيدة السرد التوراتي ويتركز سردنا على نفيه وبالتالي جعله مركز الرواية الوطنية. هذه نقطة في غاية الأهمية وهي بحاجة لاستفاضة في موضع آخر ربما. 
صحيح أن دولة الاحتلال لا تأبه البتة بالقرارات الأممية وأن وضع دير القديس هيلاريون في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر لم يمنع الطائرات الإسرائيلية من قصفه، كما أن إدراج سبسطية لم يوقف حملات التهويد المسعورة ولا هجمات المستوطنين الشرسة لسرقة الموقع وللسيطرة عليه، لكنه أيضاً يساعد في تسليط الضوء على جرائم إسرائيل وفضح أكاذيبها. في الأسبوع الذي قمنا فيه بتسجيل التطريز الفلسطيني على قائمة التراث غير المادي للبشرية في كانون الأول ٢٠٢١ كانت إسرائيل تنظم مسابقة ملكة جمال العالم وللمصادفة فقد طلبت من المشاركات لبس الثوب زاعمة أنه ثوب يهودي تاريخي. كان صدور قرار «اليونسكو» صفعة لكل هذه الأكاذيب. وكما قلنا وقتها يمكن لكل نساء إسرائيل أن يلبسن الثوب الفلسطيني فالعالم سيقول، إنهن يلبسن ثياب الفلسطينيين. خلال هذا التوجه، تم تسجيل الدبكة الفلسطينية والصابون ال نابلس ي ضمن البرنامج الوطني الذي أطلقته الحكومة الثامنة عشرة للحفاظ على الرواية الوطنية. 
سرقة التراث الفلسطيني واحدة من السرقات الكبرى التي تتعرض لها فلسطين. الغزاة يسرقون ما ليس لهم كما اللصوص، وسرقة التراث الفلسطيني سواء المادي أو غير المادي متجذرة في ممارسات دولة الاحتلال. في كل مكان في الضفة الغربية يتم نبش المواقع التاريخية وقلب الأحجار وبقايا الأعمدة في محاولة لإثبات رواية تاريخية فشلت كل حملات التنقيب التي بدأت قبل أكثر من مائتي عام عن إثبات شيء منها. بل إن مشروع سرقة فلسطين قبل أن يبدأ فعلياً بدأ على صعيد الفكرة والرواية. وقبل أن تحتل الصهيونية فلسطين احتلت العقل والذاكرة الأوروبية واستطاعت جعل فكرة طرد الفلسطينيين من بلادهم هدفاً سامياً للسياسة الأوروبية. وربما ليس من المفارقة أن العبارة التي يتم اقتباسها والتي أسست للكثير من مقولات الوعي حول سرقة فلسطين القائلة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» لم يقلها يهودي بل هو اللورد الإنكليزي  شافتسبري واقتبستها الصهيونية وجعلتها شعاراً لها.
منذ البداية، شنت الصهيونية حرباً شرسة على الوجود الفلسطيني في البلاد عبر الرواية والسرديات وتغير التاريخ وتزوير المواقع الأثرية. وعلينا أن نتخيل أن المستوطن الذي هجم على قرية تل قبل يومين يقوم بنفس ما قام به عالم الآثار الصهيوني الذي وصل إلى فلسطين في القرن التاسع عشر ليقوم بنهب المواقع الفلسطينية وكتابة تاريخ مزور عنها. كلاهما قام بنفس الشيء. كانت الحرب على الرواية الفلسطينية جزءاً مهماً من حرب الصهيونية على الوجود الفلسطيني لذلك ظلت حرب الرواية مفتاحاً أساسياً في مواجهة محاولات المحو والإزالة، لأن من يقاتل من أجل المستقبل عليه أن يقف جيداً على قاعدة تاريخه خاصة أمام خصم لا يملك في البلاد إلا حكايات يحاول أن يبحث لها عن أثر. والقصة ليست قصة تاريخ ولا هي صراع على المقدس، في النهاية، فلسطين بلد غنية بالحضارات وهي مقدسة للجميع ولا يضرها ذلك ولكن ما يضرها آن يأتي فرد أو جماعة يريدون أن يحتكروا هذه القدسية واستملاكها بقرار ووعد رباني. 
عموماً، هذا صراع صعب ويجب ألا نقع في تحويله لصراع ديني بل صراع وطني بين أصحاب الأرض والغرباء، وعليه فإن النضال من أجل الحفاظ على السردية الوطنية والمكان الفلسطيني يجب أن يظل في سلم أولويات النضال التحرري، ليس لمجابهة الرواية المقابلة، مع أهمية ذلك، ولكن حتى يصحو ضمير العالم النائم الذي وقع ضحية لعقود من التزوير، وربما ثمة مجافاة للحقيقة في القول، إنه وقع ضحية إذ إن بعض دوله الكبرى ساهمت هي وأكاديمياتها ومثقفوها (ولا بد من القول للأسف الذين نقوم بتدريسهم في أكاديمياتنا) في سرقة التاريخ والرواية الفلسطينية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد