على رمال غزة.. الغلاء يطارد المصطافين

على رمال غزة.. الغلاء يطارد المصطافين

لم تقتصر تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة على المنازل والبنية التحتية، بل امتدت إلى المقاهي والاستراحات التي كانت تشكل متنفساً للأهالي ووجهة مفضلة للعائلات خلال فصل الصيف.

وبين الدمار الذي طال آلاف المنشآت السياحية، والارتفاع غير المسبوق في تكاليف التشغيل، أصبحت جلسة عائلية على شاطئ البحر حلماً مكلفاً يثقل كاهل المواطنين الذين أنهكتهم الحرب والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

ووفق بيانات وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، تعرضت 4992 منشأة سياحية للتدمير الكلي أو الجزئي حتى نهاية عام 2025، من بينها فنادق ومطاعم وكافيهات ومنشآت ترفيهية وخدمية، ما ترك آثاراً عميقة على أحد أهم القطاعات الخدمية في القطاع.

"استراحة الأصدقاء".. من ملاذ صيفي إلى أنقاض

على شاطئ مدينة خانيونس، كانت "استراحة الأصدقاء" تستقبل العائلات والباحثين عن قسط من الراحة، قبل أن تتحول الحرب إلى نقطة فاصلة في تاريخها.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 7.54.07 PM.jpeg

 

يقول كمال أبو عكر، أحد القائمين عليها، إنهم انتهوا من ترميم الاستراحة قبل أسبوعين فقط من اندلاع الحرب، لتتحول لاحقاً إلى ملجأ للنازحين الهاربين من القصف.

ويضيف أن محتوياتها تعرضت للسرقة بالكامل، بما في ذلك ألواح الطاقة الشمسية والكراسي والطاولات والمعدات، قبل أن تُدمر بشكل كامل، ما أدى إلى خسارة مصدر رزق سبع عائلات كانت تعتمد عليها.

ورغم محاولات إعادة تشغيلها بعد الهدنة الأولى من خلال خيمة بسيطة يديرها أحد المصابين خلال الحرب، فإن الارتفاع الحاد في أسعار السلع والمعدات وتكاليف التشغيل حال دون عودة النشاط إلى سابق عهده.

ويشير أبو عكر إلى أن أسعار الطاولات والكراسي والمواد الغذائية تضاعفت عشر مرات، فيما أسهمت أزمة الكهرباء وشح الوقود في رفع تكاليف التشغيل وتقليص ساعات العمل.

الأسعار تدفع المواطنين إلى الشاطئ المجاني

لم يعد ارتياد الاستراحات خياراً متاحاً لكثير من الأسر الغزية، فالمواطنة سجى عنبر، وهي أم لطفلتين، تقول إنها باتت تفضل الاستراحات البسيطة هرباً من الأسعار المرتفعة التي تفرضها بعض المنشآت.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 7.55.53 PM.jpeg
 

وتوضح أن استئجار طاولة مع أربعة كراسٍ بات يكلف نحو 25 شيقلاً، بينما كانت التكلفة قبل الحرب تتراوح بين خمسة وعشرة شواقل فقط، مؤكدة أن أسعار المشروبات والخدمات الأخرى ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة.

وتضيف: "في كثير من الأحيان نكتفي بالجلوس على شاطئ البحر، لأن تكلفة دخول الاستراحات أصبحت تفوق قدرتنا".

المواطن محمود قنديل يشاركها المعاناة، إذ يقول إنه اعتاد اصطحاب أسرته إلى البحر كل أسبوع، لكن الأسعار الحالية أجبرته على الاستغناء عن الجلوس داخل الاستراحات والاكتفاء بالشاطئ المفتوح.

ويضيف: "أسعار المشروبات الساخنة والباردة تضاعفت ثلاث مرات، وأصبحت أي نزهة بسيطة تشكل عبئاً مادياً ونفسياً على رب الأسرة".

أصحاب الاستراحات: نكافح للبقاء

يرى أصحاب الاستراحات أن ارتفاع الأسعار ليس خياراً، بل نتيجة طبيعية لزيادة تكاليف التشغيل وارتفاع أسعار السلع وأجور المواقع الساحلية.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 7.55.59 PM.jpeg
 

ويؤكد أبو عكر أن أزمة الكهرباء والاعتماد على الوقود والمولدات الخاصة أضافت أعباء جديدة، مشيراً إلى أن الركود الذي شهدته الأسواق خلال فترات المجاعة أدى إلى إغلاق العديد من الاستراحات لعدم توفر المواد اللازمة لتقديم الخدمات.

بلدية غزة: قدمنا تسهيلات ولم نرفع الرسوم

من جهته، يؤكد الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أن قطاع الكافيهات والاستراحات تعرض لخسائر كبيرة بفعل الحرب، شأنه شأن مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية.

WhatsApp Image 2026-06-29 at 7.55.56 PM.jpeg
 

ويقول إن عودة النشاط على الواجهة البحرية ما تزال محدودة، لكنها تعكس محاولات أصحاب المنشآت توفير متنفس اجتماعي ونفسي للمواطنين.

وينفي مهنا فرض البلدية أي رسوم جديدة أو رفع أسعار الإيجارات، موضحاً أن البلدية قدمت تسهيلات وتخفيضات للمستأجرين، وأن ارتفاع الأسعار المتداول بين المواطنين يعود بشكل رئيس إلى زيادة تكاليف التشغيل وارتفاع أسعار السلع، وليس إلى رسوم البلدية.

كما أشار إلى أن البلدية تعمل على تحسين أجزاء من الواجهة البحرية وإعادة تأهيلها، مؤكداً أن الرقابة على أسعار الخدمات تقع ضمن اختصاص الجهات الحكومية المعنية.

متنفس غزة الأخير ينتظر التعافي

ورغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بقطاع الخدمات والترفيه، فإن أصحاب المنشآت والمواطنين يتمسكون بالأمل في استعادة الحياة تدريجياً.

 غير أن تعافي هذا القطاع يبقى رهناً بتحسن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية وإعادة إعمار البنية التحتية، حتى تستعيد شواطئ غزة دورها كمتنفس وحيد لأهالي القطاع الذين أثقلتهم الحرب وأعباؤها.

المصدر : تقرير - عبير مراد

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد