حصانة شاملة وعقارات مجانيّة – كواليس مسودة لمجلس السلام بشأن قطاع غزة

مجلس السلام الخاص بغزة

قالت صحيفة "الغارديان" البريطانية، اليوم السبت 27 يونيو 2026، إن هيئة السلام المدعومة من الأمم المتحدة، والتي أعلن عنها دونالد ترامب في مطلع العام الجاري لإدارة قطاع غزة ، تخطط لمنح نفسها حصانة قانونية شاملة، وفقاً لمسودة قرار حصلت عليها الصحيفة. وتسمح صيغة المسودة للمنظمة أيضاً بالحصول على الممتلكات العامة في قطاع غزة "مجاناً".

وبحسب الصحيفة، تمنح وثيقة القرار المكونة من أربع صفحات، والمصنفة بأنها "حساسة لكنها غير سرية"، حماية واسعة النطاق لكل عضو في "مجلس السلام" والجهة الإدارية التابعة له، وهي مكتب الممثل السامي، بالإضافة إلى التكنوقراط الفلسطينيين، والقوات العسكرية الدولية، والمقاولين غير المقيمين المستعدين للعمل في قطاع غزة. وتُعرّف المسودة الإجراءات القانونية التي سيتمتعون بالحصانة منها بأنها "أي اعتقال أو احتجاز أو إجراءات قانونية في المحاكم أو الهيئات الأخرى في غزة".

ولم يتضح بعد ما إذا كانت الوثيقة تسعى لإعفاء مجلس السلام والجهات التابعة له من الملاحقة القضائية أمام المحاكم الدولية، إلى جانب الدعاوى المحتملة داخل قطاع غزة نفسه.

وتنص مسودة القرار المؤرخة في يونيو 2026 على أن رئيس مجلس السلام، دونالد ترامب، سيكون له الحق في رفع الحصانة القانونية عن أي شخص، شريطة الحصول على تأييد الأغلبية من أعضاء المجلس.

ويضم "المجلس التنفيذي" المؤلف من سبعة أعضاء والذي يقود مجلس السلام كل من جاريد كوشنر، صهر ترامب، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو. ورغم تعهد الدول بتقديم مليارات الدولارات، فإن معظمها لم يحول الأموال بعد لدعم عمل المجلس في غزة، ولم يتم إصدار أي عقود كبرى حتى الآن.

وفي وقت أحال فيه البيت الأبيض الأسئلة المتعلقة بهذا الشأن إلى مجلس السلام، لم تجب الهيئة على أسئلة محددة حول مسودة القرار، ومع ذلك، قال مسؤول في بيان له إنه لا يوجد قرار فاعل أو إطار عمل للحصانة من النوع الموصوف في الأسئلة، معتبراً أن أي ادعاء بأن هذه العملية تهدف إلى خلق حالة من غياب القانون أو الإفلات من العقاب هو أمر خاطئ ومضلل ويعكس حقيقة الأمر تماماً. بحسب الصحيفة

وأضاف المسؤول أن الادعاء بأن الرئيس ترامب سيكون له دور في إرساء أو رفع الحصانة في غزة هو أمر عارٍ تماماً عن الصحة، مؤكداً أن المجلس سيضمن التزام جميع الموظفين والمقاولين والكيانات المشاركة بالقانون المعمول به، والعمل بموجب قواعد واضحة وآليات إشراف ومساءلة، دون أن يوضح طبيعة تلك الآليات.

وفي سياق متصل، التقى نيكولاي ملادينوف ، الدبلوماسي البلغاري الذي يشغل منصب الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، في القاهرة هذا الأسبوع بمسؤولين فلسطينيين اختارهم المجلس لإدارة القطاع. وأفاد شخص مطلع على جدول الأعمال بأن المباحثات ركزت على تطوير إطار عمل المجموعة في القطاع، مشيراً إلى أن مسودة قرار الحصانة المرتقب، والذي يحمل عنوان "القرار رقم 2026/3"، لم يتم إطلاع الوفد الفلسطيني عليه بعد.

غياب الرقابة الخارجية والمخاوف القانونية

وراجع ستة محامين متخصصين في قانون العقود الأمريكي والنزاعات المسلحة الدولية مسودة القرار لصالح صحيفة الغارديان، وأكدوا أنه في حال دخل القرار حيز التنفيذ، فلن يكون واضحاً كيف سيتم محاسبة مسؤولي مجلس السلام والجنود والمقاولين في حال وقوع حوادث إطلاق نار أو حوادث تمس سكان غزة، أو حتى كيف يمكن للمجموعة حل النزاعات الروتينية المتعلقة بالأعمال التجارية أو استخدام الأراضي هناك.

وكانت جهود إعادة الإعمار التي قادتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان قد واجهت مراراً أزمات تتعلق بالفساد أو قضايا مقتل مدنيين وانتهاكات على أيدي مقاولين أمريكيين، بما في ذلك الشركات التي عملت لصالح "بلاكووتر" و"كي بي آر"، والتي واجهت لاحقاً ملاحقات قضائية في المحاكم الأمريكية، وهو ما يجعل أي جهود لإعادة الإعمار في غزة عرضة لتحديات مماثلة.

وقالت إميلي شيفير أومير-مان، الخبيرة في مقاضاة القانون الإنساني الدولي أمام المحاكم الإسرائيلية والأمريكية والأجنبية، إن الأمر يبدو وكأنه محاولة لإعفاء المجلس وجميع موظفيه من المسؤولية عن الانتهاكات القانونية المحتملة.

وأشار العديد من المحامين، بمن فيهم أومير-مان، إلى مخاطر محددة ترتبط بالقسم السابع من مسودة القرار المعنون "المسؤولية تجاه الأطراف الثالثة والدعاوى"، والذي يضع نظاماً لمجلس السلام للنظر والفصل في أي دعاوى تتعلق بخسارة الممتلكات أو تضررها، أو الإصابات الشخصية والمرض والوفاة الناشئة عن عمله في غزة.

ومن جهتها، أوضحت نورة عريقات، أستاذة القانون الدولي في جامعة روتجرز، أنهم يقولون ببساطة إنه لا توجد رقابة خارجية، بما في ذلك القانون الدولي المعمول به فيما يتعلق بالاحتلال، مما يعني خلق نظام قانوني قائم بذاته.

كما ضغط المقاولون للحصول على توضيحات بشأن الحماية القانونية الممنوحة للأعمال المحتملة في غزة، حيث طلب مجلس السلام المدعوم من ترامب تقديم عروض لإزالة الركام، والعمل الأمني، وجهود إعادة الإعمار الواسعة المتوقعة هناك، في وقت وصف فيه صهر ترامب، جاريد كوشنر، تحويل القطاع الساحلي إلى موقع للمنتجعات الفاخرة والمدن الذكية ومراكز الأعمال الإقليمية.

وعادة ما تُحدد القوانين التي تحكم المقاولين الدوليين والقوات العسكرية في "اتفاقيات وضع القوات" بين الدول، ولكن لا توجد وثيقة من هذا القبيل لقطاع غزة، على الرغم من أن المقاولين الأمريكيين يمكن أن يخضعوا للقانون الأمريكي لجرائم معينة حتى لو كانوا يعملون في الخارج.

وقال دوغ بروكس، الرئيس الفخري للرابطة الدولية لعمليات الاستقرار، إن أي شركة سترغب بالتأكيد في وجود إطار قانوني واضح للغاية، حيث توجد قضايا تتعلق بالمسؤولية القانونية تود أي شركة أمريكية جادة توضيحها.

وأفاد مقاول أمني أمريكي بأن المسؤولين الإسرائيليين لا يريدون التفاوض على اتفاقية لوضع القوات في غزة لأن إسرائيل لا تريد الاعتراف بغزة كدولة، مشيراً إلى أن هذا الأمر يحمل أهمية بالغة لتوفير غطاء سياسي وقانوني وتأميني، ويمنح سكان غزة وضوحاً وطمأنينة حول كيفية التعامل معهم من قبل المقاولين الذين قد يتعاملون معهم.

مقار ومرافق مجانية لمجلس السلام

وينص القسم الأخير من مسودة قرار مجلس السلام، المعنون "مقرات مجلس السلام ومكتب الممثل السامي والقوات الأمنية الدولية"، على وجوب تزويد المجموعة مجاناً بالمقار والمرافق العامة اللازمة لإنجاز المهام في غزة.

وأشار خبراء قانونيون إلى أن هذه العبارة بمفردها قد ت فتح الباب لمصادرة غير قانونية للممتلكات الفلسطينية، إذ ليس من الواضح أي جهة، سواء كانت إسرائيل أو حماس أو السلطة الفلسطينية، ستكون مسؤولة عن تزويد مجلس السلام بتلك المرافق وبموجب أي شروط.

ويخطط مجلس السلام لبناء قاعدة لقوة عسكرية دولية، بالإضافة إلى مراكز لوجستية لتعزيز عملياته هناك، وفقاً لمقاولين مشاركين في العملية. وتهدف القوة الدولية إلى المساعدة في نزع سلاح حركة حماس، وهي خطوة حاسمة في خطة ترامب للسلام، لاسيما وأن إسرائيل رفضت المضي قدماً في الخطوات التي حددتها اتفاقية وقف إطلاق النار الصادرة في نوفمبر 2025 إذا استمرت حماس في حمل السلاح.

وقال عمر شاكر، المدير التنفيذي لمنظمة "داون" المعنية بالتحقيق في آثار السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، إنه من خلال الإعلان الأحادي الجانب عن سلطة الاستيلاء على الأراضي والممتلكات والمباني الفلسطينية لاستخدامهم الخاص دون موافقة أو تعويض، فإن مجلس السلام يتبع ذات الأسلوب القمعي الإسرائيلي. وأضاف أن هذه الوثيقة، بدلاً من أن تشير إلى نهاية الإبادة الجماعية والفصل العنصري والاحتلال، فإنها تشير إلى ترسيخ بعض أبشع سماته، مما يهدد ليس فقط بالتواطؤ بل بالارتكاب المباشر لانتهاكات جسيمة.

وأثار العديد من المحامين تساؤلات حول السلطة القانونية لمجلس السلام للسيطرة على المرافق والمقار العامة، حيث قال براد باركر، المدير المساعد للسياسات في مركز الحقوق الدستورية، إنه إذا لم يكن لديهم اتفاقية وضع القوات مع إسرائيل، فلن تكون السلطة القانونية للمجلس واضحة، مشيراً إلى أن محامي المركز سبق وأن مثلوا ضحايا في قضايا أمريكية ضد شركة بلاكووتر ومقاولين أمنيين أمريكيين آخرين بسبب انتهاكات مزعومة في العراق.

وكان مجلس الأمن الدولي قد فوض مجلس السلام للإشراف على إدارة غزة حتى 31 ديسمبر 2027، ويمنح ميثاق الأمم المتحدة دبلوماسييها ومنظماتها حماية قانونية محددة للأعمال التي تُجرى نيابة عن بعثات الأمم المتحدة في الخارج. ويبدو أن صيغة مسودة قرار مجلس السلام تستند إلى تلك الأطر القائمة، والتي تشمل الحماية من الاعتقال أو الاحتجاز لدبلوماسيي الأمم المتحدة أثناء العمل الرسمي، فضلاً عن مصادرة ممتلكات المنظمة الدولية، في حين لا يزال من غير الواضح ما إذا كان بإمكان مجلس السلام الاستناد إلى حصانات الأمم المتحدة لحماية نفسه.

وتشير المسودة إلى أن القرار سيدخل حيز التنفيذ فور توقيع ملادينوف عليه، ولم يستجب مجلس السلام للأسئلة المتعلقة بالأطراف الإضافية التي ستوقع على هذا القرار الشامل إن وجدت، الأمر الذي دفع شاكر للتساؤل عن القيمة الفعلية لهذه الوثيقة إذا كانوا هم الطرف الوحيد الذي يوقع عليها.

المصدر : وكالة سوا - الغارديان

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد