في مشهد تكرر كلما أُعلن عن تشكيل مجلس بلدي جديد أو فوز قيادة تنظيمية في حركة سياسية، تتدفق الوفود والمباركات وتتزاحم الزيارات بصورة قد تبدو للبعض أكبر من مجرد مناسبة إدارية أو تنظيمية. غير أن قراءة أعمق لهذه الظاهرة تكشف أنها ليست مجرد تبادل للتهاني أو ممارسة اجتماعية مألوفة، بل تعبير مُركب عن احتياجات سياسية واجتماعية تراكمت عبر سنوات طويلة من التحولات والأزمات.
ففي المجتمعات التي عانت من غياب الانتخابات أو محدودية المشاركة السياسية، يفقد المواطنون تدريجياً القنوات الطبيعية التي تمكنهم من التعبير عن آرائهم وإحساسهم بالانتماء إلى المجال العام. وعندما يظهر حدث انتخابي أو تشكيل مؤسسي جديد، يصبح مناسبة يتجاوز معناها حدود النتائج والأسماء الفائزة، ليتحول إلى مساحة رمزية يُعبر من خلالها الناس عن حضورهم ومشاركتهم في الشأن العام. وهنا تصبح التهاني والزيارات شكلاً من أشكال المشاركة غير المباشرة، يشعر الأفراد من خلالها أنهم جزء من حدث يخص مجتمعهم ومستقبلهم.
كما أن المجتمعات التي مرت بفترات من الأزمات أو الحروب أو الاضطرابات السياسية تنظر إلى المؤسسات العامة بوصفها رموزاً للاستقرار والاستمرارية. لذلك فإن الاحتفاء بالمجالس المنتخبة أو القيادات السياسية الجديدة لا يكون موجّهاً إلى الأشخاص وحدهم، بل إلى فكرة بقاء المؤسسة نفسها وقدرتها على الاستمرار وأداء دورها في خدمة المجتمع. فالناس في كثير من الأحيان يهنئون الاستقرار قبل أن يهنئوا الفائزين.
ومن زاوية علم الاجتماع، تمثل هذه اللقاءات والزيارات فرصة لإعادة بناء ما يُعرف بـ"رأس المال الاجتماعي"، أي شبكة العلاقات والثقة والتواصل بين الأفراد والعائلات والمؤسسات. لذلك تحرص مختلف المكونات الاجتماعية على الحضور وإظهار التفاعل، ليس فقط بدافع المجاملة، بل أيضاً للحفاظ على حضورها داخل المجال العام وتعزيز روابطها الاجتماعية والسياسية.
وتلعب ظاهرة السلوك الجمعي دوراً مهماً في تفسير هذا المشهد. فعندما تبادر شخصيات أو عائلات أو مؤسسات مؤثرة إلى تقديم التهاني، تتولد حالة من التقليد الاجتماعي تجعل المشاركة تبدو وكأنها واجب اجتماعي أو سلوك متوقع. ومع مرور الوقت تتسع دائرة المشاركين، فيتحول الحدث إلى ظاهرة جماهيرية تتجاوز حجمه الأصلي.
ولا يمكن إغفال تأثير الثقافة المحلية التي تمنح للتهنئة بعداً يتجاوز المجاملة الشخصية. ففي المجتمعات التي لا تزال تحتفظ بروابط عائلية واجتماعية قوية، تمثل التهنئة إعلاناً ضمنياً بالاعتراف بالشرعية والمكانة الاجتماعية للقيادة أو المؤسسة الجديدة، وتأكيداً على الاندماج في النسيج المجتمعي العام.
لذلك فإن تفسير الحشود الكبيرة التي تتوافد للمباركة لا يمكن اختزاله في سبب واحد. فغياب الانتخابات لفترات طويلة خلق حالة من التعطش للمشاركة والتمثيل، بينما أسهم الفراغ السياسي وضعف حضور المؤسسات في تضخيم أهمية أي حدث مؤسسي جديد. ومن هنا تتشكل الظاهرة بوصفها نتاجًا لتفاعل هذين العاملين معًا.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن القول إن هذه المشاهد تعبر عن "بحث جماعي عن الشرعية والانتماء في ظل ندرة قنوات المشاركة السياسية". وعليه، فإن التهاني والزيارات لا تبدو مجرد طقوس اجتماعية عابرة، بل تعكس رغبة المجتمع في إعادة وصل نفسه بالمجال العام ومؤسساته، واستعادة شعوره بالمشاركة بعد سنوات من الانقطاع والتحديات.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
