لا يدور الحديث عن عملية عسكرية أو أمنية، وإنما عن استراتيجية كاملة ومتكاملة، أُعد لها بعناية وتروٍّ وصبر، ووُضعت لها أدق الخطط والاستراتيجيات التنفيذية، ورُصدت لها الموارد والموازنات وجُهزت لها كل أنواع الأسلحة والمعدات، وحُسبت لها كل أنواع الحسابات، وحُضرت لها كل أنواع السيناريوهات البديلة والرديفة والموازية، والأهم من ذلك كله فقد تم الإعداد والاستعداد لأسوأ التوقعات.
هذه العملية هي الكيفية التي أدارت بها إيران الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، والتخطيط عالي الدقة لإدارة هذه الحرب، بأساليب مبتكرة، ووسائل ناجعة، وبانتقالات آمنة في مراحلها المتتالية والمتوالية وصولاً إلى النجاح.
لا بد من الإشارة، ومن التأكيد هنا على وإلى حقيقة لم تعد مثاراً للجدل والشك وهي أن إيران قد تعرضت في هذه الحرب العدوانية عليها لأشد وأعنف قصف عرفته البشرية بعد الحرب العالمية الثانية بكل المقاييس، وبكل الاعتبارات، إذ تم قصف ما يزيد على خمسين ألف هدف، وتم إلحاق دمار هائل بالبنى العسكرية والأمنية والمرافق والمؤسسات المدنية ذات الاستخدام المزدوج وفق التصنيف الأميركي والإسرائيلي مثل الجامعات والمعاهد وأجهزة الأمن والشرطة وغيرها.
وقد تم اغتيال أكبر خمسين شخصية قيادية من وفي قمة الهرم السياسي والعسكري والأمني والمرجعية الدينية والسياسية الأولى التي تمثلت باغتيال المرشد علي خامنئي، وشملت هذه الاغتيالات الصف الأول والثاني من كل أنواع القيادات الإيرانية.
وهناك من التقديرات الجادة والرصينة على أن ما تعرضت له إيران من قصف وتدمير واغتيالات كان كافياً وأكثر من كافٍ لإسقاط دولة من الحجم الأوروبي الكبير. وكان من المحتوم والمؤكد وفق الحسابات الأميركية والإسرائيلية أن يتم إسقاط النظام على أقل تقدير، لتعمّ حالة من الفوضى في عموم البلاد، وتبدأ عمليات متسارعة من التمرد وعمليات انفصال جغرافي في بعض الأقاليم، وتدمير كل مقومات الدولة واحتلالها في مقاطعات عدة من البلاد.
بعد أقل من إحدى عشرة ساعة، أفاقت الولايات المتحدة على صدمة عمرها عندما ردت إيران رداً خلا منذ لحظاته الأولى من أي عنصر من عناصر الارتجال. وتبيّن بعد عدة ساعات فقط من بداية الرد أن إيران كانت قد حضرت وحسبت وأعدت وتجهزت لكل السيناريوهات والتوقعات، بما فيها، بل وعلى رأسها اغتيال القيادات كلها. وأنها أعدت نفسها ليس للرد فقط وإنما لقصف دائرة من الأهداف الأميركية ثم الإسرائيلية بمساحات من آلاف الكيلومترات، وبدأت بعمليات تدمير مضادة طالت المراكز الأكثر حساسية في البنية العسكرية والأمنية في كل الإقليم وعلى مدار الساعة.
ومع نهاية مرحلة حرب الـ12 يوماً، أنهت إيران مرحلة الصد والرد بنجاح باهر. وانتهت هذه المرحلة بدلاً من أن تكون حرب الصدمة والترويع لإيران إلى صدمة لأميركا وإسرائيل، وكل الإقليم، بل وللعالم كله.
هنا بدأت مرحلة سياسية جديدة في سياق هذه الحرب.
بدأت حركة مناهضة الحرب في الولايات المتحدة، وبدأت تنضج وتتبلور حركات سياسية، وتحركات غير مسبوقة من تحميل الإدارة الأميركية مسؤولية الانقياد الأميركي للوبي الصهيوني، وفي المجاهرة بدور نتنياهو والقيادات الإسرائيلية في «تضليل» الرئيس ترامب، وفي جره إلى متاهات ودهاليز هذه الحرب، خدمة لمصالح صهيونية، بصرف النظر عن المصالح الأميركية، بل وعلى حساب هذه المصالح.
استشعرت إيران أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا مسار التراجع - بصرف النظر عن التبجح الإعلامي - وأنهما باتتا في مرحلة من الوهن الذي يتعلق بأوراق الحرب وليس مجرد القوة العسكرية التدميرية لآلتهما العسكرية.
وهنا بالضبط بدأت إيران المرحلة الجديدة من سياقها.
استطاعت إيران بعد أن درست المعطيات الحقيقية لسياق الحرب ونتائجها حتى تاريخه آنذاك أن توجه دفة الحرب نحو اتجاهين رئيسيين. الأول، استنفاد الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية، والثاني، استنفاذ الاحتياط النفطي الأميركي. وكانت إيران ومنذ المرحلة المبكرة الأولى لهذه الحرب قد خططت لتحويل الحرب إلى حرب صواريخ ومسيّرات، وهي الحرب التي تتفوق بها إيران، وهي الحرب التي لا تشكل المسيّرات والصواريخ فيها عماد القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية حتى وإن امتلكتا أكثر أنواع الصواريخ والطائرات المسيّرة تفوقاً من الناحية التقنية.
والمهم هنا، أن هذه الحرب هي الحرب الوحيدة التي تستنزف الدفاعات الجوية، وهي الوحيدة القادرة في سياق هذا الاستنزاف على تمهيد الطريق أمام دقة إصابات الصواريخ الإيرانية.
وهنا، تم حشر الحرب في الزاوية التي أرادتها إيران، وخططت لها باقتدار بات يُقر به الجميع بمن فيهم القيادتان الروسية والصينية. وهنا بدأت تتوضح معالم هذه الحرب، وبدأت الأوساط العسكرية الأميركية والإسرائيلية، وكذلك الغربية بما فيها مراكز البحث الأكاديمية وشبه الأكاديمية التحدُث عن خسارة الولايات المتحدة وحلفائها لهذه الحرب. واعتُبرت مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التتويج الأول، أو الأولي للفشل الأميركي.
حاولت أميركا الانقلاب على مذكرة التفاهم من خلال بيان المنامة، ومن خلال الممر العُماني ولكنها فشلت من جديد. وهي تتخبط، اليوم، كما يتخبّط نتنياهو، وكما يتخبّط الإقليم كله جراء هذا الفشل.
وكانت حرب الممرات كما سميناها العنوان الأبرز في مسار الفشل الأميركي.
الحرب الكلامية التي تدور رحاها هذه الأيام عنوانها الممرات وأسعار الطاقة وحركة الأسواق العالمية والبحث عن وسائل يائسة لإخراج هذه الحرب من الزاوية التي حشرتها بها إيران دون جدوى. بل إن إيران ما زالت تمتلك المزيد من الأوراق للمزيد من حشر الحرب في الركن الذي خططت له إيران وليس هناك من مخرج منها سوى البحث الأميركي عن مخرج سياسي يجري العمل عليه بوساطة باكستانية نشطة.
وقد بدأت المنطقة مسارات جديدة للاصطفافات وإعادة التموضعات في ضوء إدراك الجميع أن هذا المسار أصبح ملحّاً وعاجلاً قبل فوات الأوان.
وبات من الواضح تماماً أن أنظمة كثيرة وقيادات أكثر باتت تتحسس رؤوسها بحثاً عن مخارجها الخاصة، كل حسب منسوب الخطر الداهم عليه، وهنا لنا عودة.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
