تقرير: للعام الثالث.. الأضاحي تغيب عن غزة والمواشي تتحول إلى حلم باهظ
لم تعد أصوات المواشي وأسواق الأضاحي جزءًا من المشهد المعتاد في قطاع غزة مع اقتراب عيد الأضحى، إذ يحل الموسم للعام الثالث على التوالي وسط غياب شبه كامل للمواشي وارتفاع غير مسبوق في أسعارها، ما حرم آلاف العائلات من أحد أبرز الطقوس الدينية والاجتماعية المرتبطة بالعيد.
داخل مزرعته المدمرة في خانيونس، يستعيد صاحب مزرعة "الأرض الطيبة" علاء بيوك مواسم الأضاحي قبل الحرب، حين كانت المواشي تدخل إلى القطاع بصورة طبيعية وتباع بأسعار يستطيع كثير من المواطنين تحملها.
يقول بيوك إن الواقع تغير بصورة جذرية، إذ لم تدخل إلى غزة منذ ثلاث سنوات مواشٍ مخصصة للأضاحي باستثناء أعداد محدودة من الخراف التي تباع بأسعار باهظة تفوق قدرة السكان المنهكين اقتصاديًا.
ويوضح أن سعر الخروف الواحد يتراوح اليوم بين 15 و20 ألف شيكل، أي ما يعادل نحو خمسة إلى ستة آلاف دولار، رغم أن وزنه لا يتجاوز خمسين كيلوغرامًا ولا ينتج سوى نحو 17 كيلوغرامًا من اللحم الصافي.
ويضيف أن أضحية العجل، التي كانت قبل الحرب لا تتجاوز ثلاثة آلاف دولار، أصبحت اليوم – إن وُجدت – تصل إلى نحو مئة ألف شيكل، وهو رقم يصفه بـ"الخيالي" مقارنة بواقع السكان.
ولا تتوقف خسائر بيوك عند اختفاء المواشي، إذ فقد مزرعته الواقعة قرب ما يعرف بالخط الأصفر، إلى جانب مصدر رزقه الوحيد، فيما خسر نحو عشرين عاملًا كانوا يعملون لديه وظائفهم بعد تدمير المزرعة وتوقف نشاطها.
وفي المنطقة الوسطى، يروي سعد ناجي، صاحب إحدى المزارع، قصة مشابهة، قائلاً إن الأضحية تحولت إلى عبء لا يستطيع معظم المواطنين تحمله، في ظل الندرة الكبيرة وارتفاع الأسعار.
ويشير ناجي إلى أن مزرعته شرق دير البلح تعرضت للتجريف، ما أدى إلى خسارته مصدر رزقه بالكامل، إضافة إلى تعطّل عشرات العمال الذين كانوا يعتمدون عليها في تأمين دخلهم اليومي.
ويستذكر مواسم ما قبل الحرب، حين كان القطاع يستقبل نحو 20 ألف خروف وقرابة 12 ألف عجل حي خلال موسم الأضاحي، الأمر الذي وفر خيارات واسعة وأسعارًا مناسبة وشجع آلاف الأسر على أداء شعائر عيد الأضحى.
أما المواطن علاء أحمد، فلم يعد يتحدث عن شراء الأضحية بقدر ما يتحدث عن فقدان عادة رافقت أسرته لسنوات طويلة.
يقول أحمد إن ذبح الأضحية وتوزيعها على الفقراء كان تقليدًا سنويًا لا ينقطع، موضحًا أن الحصة الواحدة قبل الحرب كانت لا تتجاوز 1700 شيكل، وهو مبلغ يمكن تدبيره، بينما تجاوز سعر الخروف اليوم ستة آلاف دولار، ما دفعه وأسرته إلى الامتناع عن الأضحية منذ ثلاثة أعوام.
ويضيف بحسرة أن أمنيتهم اليوم لا تتجاوز عودة الأيام التي كان فيها العيد يحمل الفرح إلى شوارع غزة، بدل مشاهد الدمار والحرمان.
من جهتها، تؤكد وزارة الزراعة في غزة أن أزمة الأضاحي ليست موسمية فحسب، بل تعكس انهيارًا واسعًا أصاب قطاع الثروة الحيوانية والزراعة بفعل الحرب.
ويقول المتحدث باسم الوزارة رأفت عسلية إن خسائر القطاعات الزراعية والحيوانية والسمكية تُقدّر بنحو أربعة مليارات دولار نتيجة التدمير الواسع الذي طال البنية الزراعية والإنتاجية خلال الحرب.
ويشير إلى أن أعداد الأغنام والماعز تراجعت من نحو 60 ألف رأس قبل الحرب إلى قرابة ثلاثة آلاف فقط اليوم، معظمها لدى رعاة البر وغير مخصصة للذبح.
كما انخفضت أعداد الأبقار بصورة حادة، بعدما كان القطاع يمتلك نحو ثلاثة آلاف بقرة حلوب، بينما يغيب وجود العجول المخصصة للأضاحي بشكل شبه كامل.
ويؤكد عسلية أن منع إدخال المواشي الحية ومستلزمات الإنتاج الزراعي والحيواني، بما فيها الأعلاف والدجاج الحي والبيض والأسمدة والبذور، فاقم الأزمة وأضعف قدرة القطاع على التعافي.
وبين مزارع فقدت مواشيها، وعائلات فقدت قدرتها على شراء الأضحية، وعمال حُرموا من مصادر رزقهم، يبدو عيد الأضحى في غزة هذا العام مختلفًا؛ موسمًا تغيب عنه الأضاحي، وتبقى فيه الذكريات أكثر حضورًا من الأسواق التي كانت يومًا تضج بالحياة
