نشطاء أسطول الصمود والحرية الذي انطلقت النسخة الأخيرة منه من تركيا كانوا محظوظين نسبياً هذه المرة، كما وقع مع سفينة مرمرة قبل سنوات.

لم ينجح نشطاء الأسطول، الذي ينتمون إلى إحدى وأربعين جنسية أغلبهم من دول أوروبية، في كسر الحصار المفروض على قطاع غزة ، ولم يتمكنوا من توصيل حمولتهم من المواد الإغاثية.

لكنهم في الواقع كسروا الحصار سياسياً وإعلامياً، بعد أن نشر الوزير بن غفير مقاطع فيديوهات، تظهر بشاعة السلوك الإسرائيلي تجاه النشطاء.

إسرائيل التي انتهكت القوانين الدولية حين اعترضت واستولت على قوارب الأسطول في المياه الدولية، على بعد سبعين ميلاً من شواطئ قطاع غزة، كانت قد حرصت على أن تفعل ذلك بعيداً عن وسائل الإعلام، لكن بن غفير أصر على خرق هذا السلوك الهمجي في تحدٍ للمجتمع الدولي.

في الضفة الغربية و القدس وقطاع غزة على نحو خاص، منعت إسرائيل دخول الصحافيين الدوليين، ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، وحذرت مواطنيها من أن يقوموا بتصوير مشاهد الاعتداءات البشعة على الفلسطينيين.

وخلال الحرب على غزة، حظرت قناة الجزيرة الفضائية، وأصدرت قانوناً باسمها، يمنع ويعاقب أي وسيلة إعلامية تبحث عن الحقيقة.

وفي خط موازٍ، استهدفت قوات الجيش الإسرائيلي الصحافيين ومعداتهم، حيث اغتالت أكثر من مئتين وستين صحافياً، وهو عدد يتجاوز أعداد الصحافيين الذين قتلوا في الحربين العالميتين، وكل ذلك لحجب الحقيقة ومعاقبة وتخويف الباحثين عنها.

غير أنه في زمن السماوات المفتوحة، وعصر التكنولوجيا، لم تنجح إسرائيل في حجب الحقيقة، التي وصلت إلى أربعة أصقاع الأرض.

خلال عقود من زمن الصراع، شهدت السجون الإسرائيلية استقبال أكثر من مليون فلسطيني، بعضهم لا يزال في السجون منذ أكثر من خمسة وأربعين عاماً.

ومنذ أن تم تعيين بن غفير وزيراً للأمن القومي، تعرض الأسرى الفلسطينيون إلى شتى أنواع العذاب والإهانة والسلوك اللاإنساني، بعد أن جردهم من أبسط الحقوق التي انتزعوها خلال سنوات من النضال والإضراب ودفع ثمنها العديد من الأسرى.

العالم كله وقف متفرجاً على معاناة الأسرى، ولم تتجاوز ردود الفعل، إصدار بيانات التحذير والاستنكار، التي لم تكلف المسؤولين الإسرائيليين، أنفسهم النظر إليها قبل إلقائها في سلال المهملات.

حتى حين نشرت الفضائيات، صوراً عن أوضاع أسرى قطاع غزة، الذين أبقتهم إسرائيل في السجون، وخصوصاً الذين أفرجت عنهم وأعادتهم حطاماً، أو جثامين إلى أهاليهم في قطاع نقول في هذه المشاهد، لم يتحرك الرأي العام لا العربي ولا الإسلامي ولا الدولي.

وقبل المشاهد التي عرضها بن غفير عن سبق إصرار واعتقد أنه يعزز مظاهر القوة المتغطرسة، كانت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية قد نشرت مقالاً على صفحتها للصحافي نيكولاس كريستوف بعنوان «الصمت إزاء الاغتصاب ضد الفلسطينيين».

المقال المذكور اتهم إسرائيل بممارسة الاعتداء الجنسي على نحو ممنهج ضد معتقلين فلسطينيين، وأنها دربت كلاباً على الاعتداء الجنسي على أسرى فلسطينيين.
شكل ذلك المقال فضيحة كبرى لإسرائيل التي شنت حملة مسعورة على الصحيفة والكاتب، واتهمتهما بالتحريض على الإرهاب، واتهم نتنياهو الكاتب بممارسة «الافتراء الدموي».

المقال أحدث تفاعلاً واسعاً، خصوصاً أن الساحة الأميركية الداخلية تعيش حالة من الانقسام، والتراجع عن دعم إسرائيل.

المقال خضع لكل الانتقادات، ولكن عملية الفحص من قبل محرر قسم الرأي في الصحيفة، بالإضافة إلى الكاتب، لم تكشف عن أي خطأ.

عملية الفحص، تشير إلى أن الوقائع، والأدلة التي اعتمد عليها الكاتب موثقة، ومؤكدة، وموثوقة، ولا تترك مجالاً للنقد أو الشك في صحة المعلومات، والاستنتاجات.

لم يمر وقت طويل على فضيحة «نيويورك تايمز» حتى كشف بن غفير عن فضيحة السلوك الشائن والمدان، لكيفية التعامل مع نشطاء أسطول الحرية حيث أظهرت المشاهد، سلوكاً منتهكاً لأبسط حقوق الإنسان.

مقيدون من الأيدي ومعصوبو العيون، وملقون على الأرض وبعضهم تعرض للضرب، والإهانة، والذل.

لا يميز بن غفير، وأمثاله، بين الناس، فعدا أن هؤلاء ينتمون إلى أكثر من أربعين دولة، فإن منهم الأطباء، والحقوقيين والمهندسين، والنشطاء الاجتماعيين والسياسيين، والفنانين.

لا يتحدى بن غفير القانون الدولي، والدولي الإنساني، فقط ولا يتحدى مقامات العدل الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة وإنما هو يتحدى الرأي العام العالمي، ومن ضمنه دول ساهمت في إنشاء وإنجاح المشروع الصهيوني، وظلت تقدم لإسرائيل الدعم حتى يومنا هذا.

بن غفير ليس وحيداً، فقد أعلنت وزيرة المواصلات ميري ريغيف دعمها وتبنيها للسلوك الذي ظهر في الفيديو.

وفي المقابل، اعتبر وزير الخارجية ساعر، أن ما أقدم عليه بن غفير قد وضع إسرائيل في حالة حرج، وأضر بسمعتها.

نتنياهو اكتفى بالتعبير عن أن سلوك بن غفير لا ينسجم مع القيم والمعايير الإسرائيلية، وكأن تلك المعايير مختلفة عما ارتكبته إسرائيل من جرائم إبادة جماعية، وتجويع، وتنكيل وحصار واستيطان وتهجير.

أمام تلك المشاهد، ظهرت ردود فعل غاضبة من دول أوروبية، بعضها قام باستدعاء سفراء إسرائيل وممثليها، وبعضها أعلن حظر دخول بن غفير لأراضيها، وبعضها الآخر اكتفى باعتبار السلوك الإسرائيلي غير مقبول.

لا يدرك بن غفير أن سلوكه، من شأنه أن يترك ردود فعل أوسع وأعمق لدى ملايين المسيحيين في العالم، وأن ما ظهر من ردود فعل رسمية حتى الآن، ليس سوى خطوة صغيرة نحو ما ينتظر دولة إسرائيل التي لا يشكل سلوك بن غفير، فعلاً حصرياً، بقدر ما أنه يعكس هوية وسياسة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد