حاولت الدول الأوروبية وبالأخص دول الاتحاد الأوروبي وأوروبا الغربية على مر العقود منذ الحرب العالمية الثانية أن تظهر نفسها كمن يتمسك بمبادئ وقيم تتعلق بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي، وتمت تربية المواطنين في هذه الدول على هذه المنظومة الإيجابية. ولكن السياسة الأوروبية القائمة على تلك المبادئ والقيم عموماً اصطدمت بمصالح استعمارية لبعض الدول جعلها تضرب بها عرض الحائط.
والأمثلة على هذا التنصل العجيب من هذه المنظومة كثيرة ولكن أبرزها ما حصل في منطقتنا في العدوان الثلاثي البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي على مصر عام 1956، والسياسة الاستعمارية في إفريقيا، والحروب التي شاركت فيها ضد الدول العربية كالعراق وليبيا، دون أي مبرر أو وجه حق فقط لتكريس دور استعماري يقوم على المصالح المفترضة والقائمة على إسقاط أنظمة أو تدمير دول.
وهي هنا تتساوق مع سياسة أميركية عدوانية تجاه الدول التي لا تسير بركبها.
وخرق قواعد الأخلاق والقيم والمبادئ التي تتغنى بها الدول الأوروبية لا يقتصر فقط على المشاركة في حروب تتناقض كلياً مع هذه القواعد، بل يتعداه باعتماد سياسة المعايير المزدوجة والتمييز في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية والعربية التي يقر العالم أجمع بما فيه الدول الأوروبية بأنها مناطق محتلة وأن إسرائيل تخرق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني في بقاء الاحتلال والتنكيل بالشعب الفلسطيني وشعوب أخرى. فإسرائيل حظيت بمعاملة خاصة بدءاً من الاعتراف بها عام 1948 وحتى يومنا هذا.
فقد دعمتها دول أوروبا الغربية وخاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا على حساب الشعب الفلسطيني.
ورأت فيها أوروبا قاعدة متقدمة للاستعمار الغربي في المنطقة قبل أن تتحول الولايات المتحدة للداعم والحليف الأكبر لإسرائيل.
الانكشاف الأكبر لازدواجية المعايير والنفاق الأوروبي حصل في حرب غزة .
فجأة تبخرت القيم وجرى تسامح غريب مع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي نفذتها ولا تزال تنفذها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وأيضاً ولو بطريقة مختلفة في الضفة الغربية.
أوروبا لم تحرك ساكناً لثني إسرائيل عن جرائمها. صحيح أن بعض الدول الأوروبية أوقفت توريد السلاح لإسرائيل مؤقتاً ولكن لم تكن هناك أي خطوة جدية وعملية لمعاقبة إسرائيل على جرائمها.
وبقي هناك بعض الأصوات كإسبانيا وأيرلندا التي تطالب بإعادة النظر في الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ولكنها تبقى أقلية يعتبرها بعض الدول كألمانيا متطرفة ومبالغة في رد فعلها.
حتى مجرد فرض عقوبات على المستوطنين الذين يرتكبون الجرائم بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية يلقى معارضة شديدة من ألمانيا وإيطاليا وطبعاً المجر قبل سقوط الرئيس الفاسد فيكتور أوربان في الانتخابات التي جرت فيها مؤخراً.
أوروبا اختارت أن تكون ظلاً للسياسة الأميركية وكانت طوال الوقت تسير خلف المواقف التي تعتمدها واشنطن حتى لو كانت لا تنسجم مع مصالح أوروبا التي تدفع ثمن كل الصراعات والحروب في منطقة الشرق الأوسط.
والآن دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب مع إيران تدفع أوروبا والعالم أجمع تبعاتها.
وحتى لو لم تشارك أوروبا في الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل لأن الدولتين هاجمتا إيران دون التشاور مع الحلفاء الأوروبيين، ودون أي مبرر منطقي للحرب وأيضاً دون قرار من مجلس الأمن، فهي لا تتخذ أي موقف أخلاقي من الحرب.
نحن كفلسطينيين ندفع ثمن المواقف الأوروبية الداعمة لإسرائيل عملياً وليس في إعلانات الانتقاد التي لا معنى لها. فالدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا تدعم إسرائيل بالسلاح الذي يستخدم في قتل الفلسطينيين وفي تنفيذ الإبادة الجماعية ضدهم وتمنع فرض أي عقوبات عليها.
وحتى تمنع إعادة النظر في الاتفاقية التجارية مع إسرائيل التي تفرض على الأخيرة الالتزام بقواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتم خرقها على مدار الساعة. وألمانيا التي تتصدر الاتحاد الأوروبي في دعم إسرائيل محكومة بعقدة الماضي وما جرى لليهود على يد الحكم النازي.
ويبدو أنه لا نية لدى الساسة الألمان في التخلص من هذه العقدة.
وإذا كانت ألمانيا تدعم دولة اليهود في فلسطين فهذا لا يعني بالضرورة دعم الحكومة الإسرائيلية في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية، فهذا الدعم يتناقض مع التجربة الألمانية المريرة ويشجع على الإرهاب والعنف ويضر بشكل حاد بمصالح إسرائيل نفسها ويمنع حصولها على الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة. وبالتالي لا يوجد هناك تمييز بين المسموح والممنوع في دعم إسرائيل.
في الواقع تبدو أوروبا عاجزة وفاشلة في إثبات أنها قارة قيم ومبادئ، بل الأكثر وضوحاً هي غير قادرة على الدفاع عن حقوق الإنسان وحتى عن مصالحها المتضررة جراء الحروب والاحتلال في المنطقة وهي ستبقى عاجزة طالما لا تخرج من عباءة الولايات المتحدة التي لم تعد تكترث بمصالح حلفائها الأوروبيين، بل ولا مانع لديها من تفكيك حلف الأطلسي الذي يمنح أوروبا مظلة دفاعية أميركية. والرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد من أوروبا أن تدفع هي ثمن حمايتها وأن تزيد مساهمتها في موازنات الدفاع والأمن وتتكفل بتغطية نفقات الحرب في أوكرانيا.
فهل يعقل الأوروبيون أمرهم ويذهبون لسياسة تحمي مصالحهم، ليطبقوا جزءاً من الشعارات التي يتغنون بها ويرفعونها في وجه دول العالم الثالث، وليرفعوا أصابعهم في وجه إسرائيل التي تهدد الأمن والاستقرار الدوليين، فتنسجم بذلك مع الرأي العام الأوروبي؟.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد