الصراحة هنا ليست ناجمة عن سر جرى التكتّم عليه، أو عن أمر جرى إخفاؤه أو التستّر عليه، بقدر ما يتعلق الأمر بالضبابية التي تلفّ أجواء العالم كله، وأجواء الإقليم على وجه الخصوص والتحديد.
والضبابية لا تتعلّق بالتطورات والأحداث التي شهدنا فصولها واحداً تلو الآخر، وإنما تتعلق بالتطورات والأحداث التي ستنجم عن كل ما سبق حتى الآن، وفيما إذا كانت الوقائع التي تكرّست حتى يومنا هذا ستؤدي إلى متغيّرات نوعية في مسار تطور هذا الإقليم المضطرب منذ عقود وعقود.
هنا بالضبط نحتاج ــ كما أرى ــ إلى الصراحة، وإلى الحديث «على بلاطة».
دعونا نبدأ بالحديث عن واقع هذا الإقليم قبل، أو قبيل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ودعونا نسمِ الأشياء بأسمائها، وأن نصف الواقع الذي كان سائداً آنذاك كما هو، وليس كما كنا نراه من زاوية المواقف الخاصة بهذه الرؤية أو تلك، أو من زاوية مصالح هذا الفريق أو ذاك.
وهنا بالذات نحتاج إلى أدوات منهاجية صارمة تعتمد التجريد قبل التعميم، وذلك لأن كل تعميم لا ينطلق من التجريد للوصول إلى «العام» أو الملموس العلمي هو وصفة مؤكدة للوقوع في الذاتية، أو حتى «الذاتوية» المغرضة، أو المضلِّلة غالباً.
أقصد أن كل عام وخاص، وكل مجرد وملموس لا يستقيم علمياً، ولا منطقياً بالتالي، إلا إذا ارتبط بجدل هذه «الآلية المنهاجية»، وإلا إذا أدى كل طرف من هذه المعادلة، وأفضى إلى الآخر.
باختصار شديد كانت القضية الفلسطينية قد وُضعت على مقصلة الإعدام.
والعناوين الثلاثة: الوطني والعربي الإقليمي والدولي كانت تتحدث عن نفسها بكل جُرأة وصراحة غالباً، وعلى بعض «الاستحياء» الذي لا بدّ منه أحياناً.
في الضفة الغربية كانت السلطة الوطنية الفلسطينية تزداد «تكيُّفاً» مع كل «طلبات» الاحتلال بالرغم من أشكال جديدة ومتجدّدة كل يوم من الإخضاع، ومن الحصار، ومن الصلف ونزع الصلاحيات، وبالرغم من حملات للاستيطان الجماعي، بأشكال «مبتكرة» كـ»الاستيطان الرعوي»، و»استيطان المحميات»، إضافة إلى مخططات ومشاريع كبيرة وخطيرة هادفة بصورة مباشرة للضمّ والتوسُّع والعزل.
ناهيكم عن الاستباحة الكاملة لكافة المناطق، وناهيكم، أيضاً، عن الاقتحامات اليومية لمخيمات شمال الضفة، وتهجير عشرات الآلاف من سكانها.
إضافة إلى الهجمات الجماعية لسوائب المستوطنين اليومية على كل بقعة من أرض الضفة.
لم تتوقف أمور مجابهة السياسة الاحتلالية الإسرائيلية عند حدود هذا «التكيُّف»، وإنما اعتبرت أن «مقاومة» هذا الهجوم العدواني الكاسح، المترافق مع سلسلة من الإجراءات «القانونية» المعلنة هي مقاومة غير مشروعة حتى ولو كانت في إطار الدفاع عن النفس وحتى لو كانت «سلمية» في بعض الأحيان، وكان من نتيجة هذا كله أن تحوّلت السياسة الإسرائيلية من مرحلة إدارة الصراع، إلى حسم هذا الصراع، خصوصاً أن دولة الاحتلال قد قرأت ضرورة هذا التحوّل في ضوء معطيات دولية، وإقليمية مواتية تماماً، وسنأتي عليها.
أما في قطاع غزة فالوضع لم يكن يوحي على الصعيد العملي سوى بأن حركة حماس تتحوّل بصورة متسارعة من مرحلة «المقاومة» إلى مرحلة «السلطة»، وبحيث يتحوّل كامل مشروع «المقاومة»، لكي يكرّس مسألة السلطة، والحفاظ عليها، حتى وإن اقتضى الأمر الذهاب إلى «هدنة» قد تمتدّ لسنوات طويلة، وفي هذا الإطار شهدنا مرحلة «الشنط» القطرية، التي انتعش سوقها كما نذكر بموافقة ومباركة إسرائيلية.
قبل ذلك كان قطار «التطبيع» قد انطلق بسرعة قياسية، وازدهرت «الإبراهيمية»، وبدت «المقاومة» العربية والإسلامية، وحتى الدولية لهذا المسار مجرّد اعتراضات شكلية، وغالباً من باب رفع العتب.
وبقيت هنا وهناك بعض المواقف المعارضة لهذا المسار حبيسة الاعتبارات والحسابات المركّبة في خارطة الإقليم وفي العالم.
أما دولياً فقد انشغل العالم بالحرب الروسية الأوكرانية، والتحقت أوروبا بالمواقف الأميركية، وتجنّد العالم لمواجهة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
وفي قمة الدول العشرين، طرح رئيس أميركا جو بايدن مشروع طريق الهند الذي يكرّس ميناء حيفا كميناء إستراتيجي ينقل البضائع من الهند إلى أوروبا مروراً بفلسطين، ليس باعتبارها أرضاً محتلة، أو متنازعاً عليها، وإنما باعتبارها جزءاً «طبيعياً» من الولاية الجغرافية لدولة الاحتلال، ومن هنا بالذات بدأت حملة الخرائط التي باشر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بالترويج لها في كل المحافل والمنابر، بما فيها منبر الأمم المتحدة.
ومن هناك بدأت خطة تهجير واقتلاع سكان القطاع ــ كما أرى بكل وضوح ــ ومن هناك تأكد للقيادة الإسرائيلية أن أمر حسم الصراع قد نضج تماماً.
في هذا السياق كانت قوة متنفّذة داخل «حماس» قد غادرت وإلى غير رجعة مرحلة التردّد بين خيار المقاومة وخيار السلطة، وكانت من الزاوية الفكرية والأيديولوجيا السياسية قد حسمت توجّهها بالتحول إلى «تنظيم وطني إسلامي»، وليس البقاء في إطار «التنظيم الإسلامي» الذي يمارس بعض المهام الوطنية.
وهذه المسألة بالذات هي مفتاح منهاجي كبير لفهم ما جرى في «طوفان الأقصى»، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول، فيما إذا كان الأخير صائباً أو خاطئاً، مغامراً أو واقعياً، أحسن التقديرات أم أساء الحسابات، فقد كان هذا القرار مخططاً ومدروساً وهادفاً إلى قلب طاولة هذا الواقع، قبل أي هدف آخر، وهو المعيار الأهم، وسيبقى إلى سنين طويلة في تقييم هذا القرار.
والشيء الذي لا يستطيع أحد الاختلاف معه مهما كان نوعه، أن ينكر، أو يتنكّر له هو أن هذا الهدف قد أنجز بنجاح باهر، والدليل أن هذا الإقليم، بل والعالم كله يعيش الآن ارتدادات ذلك القرار، وتبعاته ومخاضاته في ساحات وميادين امتدّت على مساحة العالم، وتغلغلت في ثناياه، وطالت ولامست كل الوعي، والثقافة والسياسة والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا، وقلبت الموازين والمعادلات بصرف النظر عن الكثير من الخسائر الدامية التي نتجت عنها.
ولكل الحروب التي امتدت على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، والتي نشهد فصولها الآن، والتي ما زالت بظهر الغيب، وفي دائرة التوقعات والتكهّنات، سواء تعلق الأمر بالتفاؤل أو التشاؤم، بالتوجّس أو التخوّف، بالمراهنة على مستقبل واعد وجديد، أو الخشية من تردّيات في كامل المشهد.. فإن الواقع قد أفرز اليوم عدة حقائق لم تعد في موضع الشك أو التشكيك: الأوّل، أن دولة الاحتلال استخدمت كل طاقاتها العسكرية، وكامل قوتها النارية، وكل مقدراتها الاستخبارية، وكل قواتها البرية والجوية والبحرية بهدف أن تحسم ملفات الإقليم، أو أي واحد منها دون أن تنجح حتى الآن، ودون أن تكون لها فرصة لهذا الحسم بعد أن استنفدت كل الإمكانيات والاحتياطات.
الثاني، أن أميركا التي قادت هذه الحرب الهمجية قد أخفقت بالرغم من استخدامها لكامل ما لديها من إمكانيات هائلة في الحرب على إيران، ومن قبلها على «جماعة أنصار الله» «الحوثيين» اليمنية، وحتى على العراق، وهي تقف اليوم عاجزة عن إنجاز أي ملف من ملفات الإقليم، ما يعكس أن العجز قد تحول إلى فشل في مهمة الهيمنة، والتراجع إلى مستوى الدور بعد أن بدأت بخسارة المكانة.
ولذلك فإن التطورات القادمة على مستوى الإقليم، وعلى مستوى الكثير من علائم ومعالم خارطة التوازنات الدولية ستنتهي على الأغلب لمصلحة تحول إيران إلى دولة إقليمية كبيرة، هكذا بصراحة وعلى بلاطة، لأن أميركا فشلت، ودولة الاحتلال عجزت، وعليهما معاً أن يخفّضا من سقف توقعاتهما التي ثبت أنها كانت مغالية في التفاؤل وعنجهية في التقييم، وعنصرية في النظرة، ومتغطرسة في السلوك بعد أن وصل الإجرام إلى حدود الإبادة الجماعية، وبعد أن تحول القتل والتدمير إلى السلاح الذي تبقّى بحوزتهما الآن.
أما الثالث والأخير، فهو أن الذهاب إلى فصل شامل من حرب التدمير الأمروإسرائيلية لن يؤدي سوى إلى فشل مضاعف، وإلى عزلة أقسى وأقوى، وإلى المغامرة باشتعال صراعات داخلية إذا لم يتم إسقاط ترامب ونتنياهو قبل فوات الأوان، أو ربما إنشاء تحالف دولي جديد ضدهما.
نعم هكذا.. بصراحة و»على بلاطة»!.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
