بالرغم من التركيز على الحرب الأخيرة، أو بالأصح الفصل الحالي من الحرب التي اندلعت مع طوفان الأقصى قبل سنتين وسبعة أشهر، إلا أن تداعيات هذه لم تظهر بكل أبعادها بعد.

عملياً الحرب مستمرة، ضد الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية و القدس وإن بوتائر منخفضة في غزة، ووتائر وأساليب خطيرة في الضفة الغربية وهي مستمرة على لبنان، وأيضاً بالرغم من القيود التي فرضها ترامب على العمليات الإسرائيلية.

جبهات أخرى لا تزال مرشحة للانفجار، وتتعلق بدور الحوثيين والصوماليين المحتمل بشأن باب المندب، بالإضافة إلى دور المقاومة العراقية، التي تعزف على لحن تطور الأوضاع مع ايران.

لا ترامب ولا نتنياهو وبالأخص الأخير، يظهران استعداداً لوقف الحرب، قبل أن يحقق كلاهما الأهداف المشتركة.

تتغير أساليب خوض الحرب، ولا تتغير أهدافها، فالإسرائيلي والأميركي يريدان إسقاط النظام الإيراني، والتخلص منه نهائياً عبر فرض الاستسلام أو إسقاطه فعلياً.

في جملة تخرج عن سياق الادعاءات الترامبية بشأن تحقيق النصر، وتدمير كل ما لدى إيران من قدرات، يقول، إن إيران لم تدفع بعد ثمن الجرائم التي ارتكبتها منذ سبعة وأربعين عاماً.

يمكن الاستدلال من وراء هذه الجملة، على أن الأمر يتعدى ما يجري التركيز عليه إعلامياً، من أن الهدف منع إيران من امتلاك أي قدرات نووية، أو منع سيطرتها على مضيق هرمز.

ورقياً أعلن الرئيس ترامب، انتهاء الحرب، في تناقض مع ادعائه، بأن ما يقوم به الجيش الأميركي، إنما هو عملية عسكرية.

في الحالتين إن كانت حرباً أو عملية عسكرية، أراد ترامب التلاعب بالدستور، والتحايل على صلاحيات الكونغرس الأميركي.

إعلانه وقف الحرب، يستهدف تجاوز فترة الستين يوماً، التي ينبغي عليه بعدها، العودة إلى الكونغرس.

ترامب يعطي لنفسه ووفق تفسيره للدستور والصلاحيات، فترة ستين يوماً جديدة، بإمكانه خلالها معاودة شن الحرب العسكرية دون الحصول على إذن الكونغرس.

في كل الأحوال فإن ترامب لا يواجه مشكلة في الكونغرس الذي يخضع أغلبيته للحزب الجمهوري، الذي لن يحشر رئيسه في مأزق دستوري.

لا يمكن بأي حال، النظر للحصار الأميركي المشدد على الموانئ الإيرانية على أنه ليس شكلاً من أشكال الحرب، بل إنه ينطوي على تأثير عميق على الاقتصاد الإيراني، وينال من قدرته على الصمود طويلاً وإن كان أيضاً ينطوي على تداعيات سلبية واسعة وعميقة على دول المنطقة، والعالم الذي أخذ يئن تحت وطأة نقص مصادر الطاقة وارتفاع أسعار النفط.

بهذا الشكل يعاقب ترامب، حلفاءه السابقين خصوصاً الأوروبيين وحتى حلفاءه في دول المنطقة، بالإضافة إلى إيران، والصين وعديد الدول التي تعتمد بنسبة ما على النفط الإيراني.

الحرب ضارية على مستوى المفاوضات، غير المباشرة وتتخذ أسلوب المناورات المتبادلة، التي تظهر استعداد الطرفين لمواصلة العناد.

الإيرانيون يناورون عبر مبادرات متتابعة دون أن يظهر عليهم الاستعداد للتراجع عن جوهر الأهداف التي يتمسكون بها، لكنهم يضعون الطرف الأميركي في حرج أمام الوسطاء، وحتى أمام الأوضاع الداخلية الأميركية.

ترامب سلفاً وقبل أن يطلع على المبادرة الإيرانية الأخيرة، يقول إنه ينتظر الترجمة أو الصياغة الدقيقة للنقاط الإيرانية، ولكنه يختم بأنه لا يرجح الموافقة على تلك النقاط.

تماماً كما فعل بالنسبة للاقتراح الذي سبق أن قدمته إيران، وقال حينها إنه لا يرضي عنه.

هي عملية تدوير زوايا بالنسبة لإيران، ولكنها بالنسبة للرئيس الأميركي، ينبغي أن تكون صفرية، فإما أن توافق إيران على شروط الاستسلام، أو أنها ستظل تحت ضغط الحصار، مع احتمال العودة لاستخدام القوة.

لا يزال الرئيس ترامب يردد الخطاب الانتصاري ذاته، فالإيرانيون لا يعرفون قائدهم، بعد القضاء على الصف الأول والثاني وجزء من الصف الثالث، والهجمات الأميركية الإسرائيلية أتت على ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني، وكذلك الحال بالنسبة للقوات البحرية، والدفاعات الجوية، وحتى الصاروخية الإيرانية.

هو خطاب عنجهي، يخالف الواقع، فإن كان الأمر كذلك، فلماذا يستمر الحصار ولماذا تستمر الحرب، إنه خطاب موجه للداخل الأميركي في محاولة لإقناع الناخب الأميركي، بدعم مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية القادمة.

ربما يعلم ترامب أن خطابه الانتصاري وادعاءاته مكشوفة أمام العالم كله، إلا أمام الجمهور الأميركي، وفي ذلك استهانة بوعي الأميركيين.

يتوجع ترامب كثيراً، بل يغضب على أقرب حلفائه، حين يصدر اعتراف من المستشار الألماني ميرتس، بأن إيران وجهت إهانة، كبرى للأمة الأميركية، فمثل هذا الخطاب، يلقى صدى لدى الأميركيين الذي يتعرضون للتضليل من قبل الرئيس وإدارته.

ولذلك وعلى الفور، يعلن ترامب، استعداده لسحب خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا، ويهدد بعقوبات مماثلة على إيطاليا وأسبانيا وبريطانيا، ورفع الحماية عن أوروبا، والتخلص من حلف الناتو.

وفي ضربة للاقتصاد الأوروبي، وخصوصاً الألماني، يقرر ترامب فرض رسوم بنسبة ٢٥% على صادرات السيارات الأوروبية.

ترامب يدمر كل صيغ التحالفات التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، واستمدت منها الولايات المتحدة الكثير من مصادر القوة، ثم يعلن أنه سيد العالم، الذي على الجميع الاعتراف به وإلا.

الحرب الاقتصادية على أشدها، والمفاوضات أيضاً، ولكن الأبواب مشرعة بقوة، لعودة جولة جديدة من الحرب العسكرية، ما يعني أن الهدنة، والمفاوضات ليست أكثر من إتاحة الوقت لتحقيق المفاجأة.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد