لا يمكن لأحد أن يُنكر أن إسرائيل تُطبق استراتيجتها العسكرية دون تخطيط دقيق و دون الاستناد على دراسات ونظريات علمية في المجال العسكري و العلوم السلوكية و النفسية.

فعند متابعة الحروب الإسرائيلي العسكرية في الشرق الأوسط ، خاصة في قطاع غزة و لبنان و إيران ، يتضح جليا أن القيادة الإسرائيلية السياسية و العسكرية تتخذ قراراتها العسكرية في المنطقة بناء على دراسات ونظريات نفسية وسلوكية أهمها نظريات الرعب و الصدمة، والتي يتم اختبارها عادةً في أروقة مراكز الأبحاث الإسرائيلية و أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

ولا يمكن تجاهل أيضاً ، فكرة أن قطاع غزة يُعد مختبرا لتجارب حرب عسكرية ونفسيه مصغرا للاحتلال الإسرائيلي بحيث يتم به من خلاله تجربة الأسلحة و القنابل الإسرائيلية و تطبيق عمليات عسكرية إسرائيلية مركزة ،و بعد ذلك يتم تعميم التجارب على الدول التي تنشط بها مقاومة مسلحة ضد إسرائيل مثل لبنان و اليمن و العراق و إيران.

إن من أهم نظريات الصدمة التي تُطبقها اسرائيل خلال حروبها في الشرق الأوسط ، خاصة في قطاع غزة ، هي نظرية الصدمة و الرعب ( Shock and Awe ) ، التي تعود أصولها لكتاب عنوانه " "الصدمة والرعب: تحقيق الهيمنة السريعة" ، تم نشره في عام 1996 ، وأعده الباحثين هارلان أولمان، و جيمس وايد ، بالتعاون مع ضباط أميركيين سابقين رفيعي المستوى ، وذلك تحت رعاية الجامعة الوطنية للدفاع الأميريكية .

ويشرح الباحثين خلال هذا الكتاب كيفية استخدام الصدمة كأداة لشل العدو وإرادته عبر احداث ذهول مفاجئ، و عجز ، و انهيار معنوي سريع، و كيف أن الرعب يُولد شعور بالهزيمة الحتمية أمام قوة مذهلة. ويُقدم الكتاب أمثلة تاريخية عن الصدمة مثل قصف هيروشيما وناغازكي بالقنبلة النووية الأميركية ، ويناقش كيفية تطبيق عقيدة الصدمة عبر دمج التكنولوجيا والابتكار من أسلحة دقيقة وحرب الكترونية و معلوماتية ، لتحقيق التفوق . ويشرح أيضا الكتاب كيفية تطبيق أسلوب الصدمة عبر فهم كامل للذات و العدو و البيئة من ناحية ثقافية ونفسية وقدرات. ويُعطي الكتاب تعليمات حول ضرورة التنفيذ الفوري المفاجئ ، و أهمية السرعة و التوقيت ، و على البراعة العملياتية بحيث يتم اتباع تنفيذ عملية ذكية ومبتكرة و على التحكم في المعلومات عبر السيطرة الكاملة على البيئة و الاتصالات و الحركة مع استخدام الخداع و الحرب الالكترونية.

أما النظرية الأخرى المرتبطة في نفس موضوع الصدمة، فقد ناقشتها الكاتبة الكندية ناعومي كلاين في كتابها "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث" ، حيث تُقدم كلاين في كتابها "عقيدة الصدمة"، من ناحية استغلال حالات الصدمة الجماعية ، سواء كانت حروباً، انقلابات، أزمات اقتصادية، هجمات إرهابية، أو كوارث طبيعية ، لفرض سياسات اقتصادية جذرية غير شعبية، مثل الخصخصة الشاملة، تحرير الأسواق، رفع الدعم، تقليص دور الدولة، و فتح البلدان أمام الشركات متعددة الجنسيات.

وترى كلاين أن الغزو العسكري يُحدث صدمة أولى تتمثل بالحرب و الفوضى تُمهّد لصدمة ثانية اقتصادية تتمثل بخصخصة واسعة و تسريح آلاف العمال، وفرض سياسات نيوليبرالية أثناء الذهول الجماعي يُطلق عليه مسمى "رأسمالية الكوارث" ، وتعتبر كلاين الحرب على العراق أكبر تطبيق لـ"عقيدة الصدمة"، حيث يُستغل الانهيار النفسي والاجتماعي لإعادة هيكلة الاقتصاد.

بناءً على عرض أهم نظريات الصدمة المتعلقة بالحروب ، يُمكن القول أن إسرائيل استغلت أحداث السابع من أكتوبر لتطبيق بشكل علمي نظريات الرعب و الصدمة في كل من فلسطين و لبنان و إيران ، وهي مقرات رئيسية لقوى ما يُسمى محور المقاومة الإسلامية ضد إسرائيل.

لذا، لم تهدف الحروب التي شنتها إسرائيل في الشرق الأوسط خلال الفترة ما بين عامين 2023 و 2026 ، إلي تدمير فقط منصات الصواريخ و الأنفاق، و الدفاعات الجوية ، بل كانت تعمل بوضوح على "إعادة هندسة الوعي " عبر إحداث صدمات كبرى ومتلاحقة، عندما استهدفت البنية التحتية المدنية لهذه البلدان من مستشفيات و مداراس وجامعات وبيوت للمدنيين ، مع عدم الاكتراث بالقتل العشوائي للمدنيين من النساء و الرجال و الأطفال الذين ليس لديهم علاقة بفصائل المقاومة ، فقد استخدم وزير الجيش الإسرائيلي السابق غالنت ، مصطلح حيوانات بشرية لمناشدة سكان قطاع غزة ، مما يؤكد ذلك النظرة الإسرائيلية العنصرية والفوقية تجاه سكان قطاع غزة ، ويؤكد فكرة أن إسرائيل تتعامل مع سكان قطاع غزة كفئران تجارب حربية للمختبر الإسرائيلي المصغر في قطاع غزة.

ومن أبرز استراتيجيات الصدمة التي مازالت تطبقها إسرائيل خلال حروبها الأخيرة في الشرق الأوسط هي مايلي:

صدمة تحطيم صورة القوة : استخدمت إسرائيل هذا التكتيك في كل من قطاع غزة و لبنان و إيران عبر الاغتيالات السينمائية لقادة الصف الأول (مثل حسن نصر الله، اسماعيل هنية، أبو عبيدة ، و الخامنئ ) و عبر اختراق أجهزة الاتصال (البيجر) في لبنان . فلقد أرادت إسرائيل خلق صدمة مفادها: "أنه لا يوجد مكان أمن لأي أحد ، و أن إسرئيل تستطيع أن تصل لأي مكان في العالم " . لذا كان الهدف من هذه الاغتيالات هو تحويل شعور "الفخر بالقوة" إلى شعور بـ "انكشاف الظهر".

صدمة البناء والجغرافيا : هنا استخدمت إسرائيل القوة التدميرية الشاملة لقطاع غزة وجنوب لبنان ليس كتدمير جزئي وضرر جانبي بل كرسالة بصرية دائمة ، تهدف إلي كي وعي شعوب المنطقة ، وتوليد شعور عند المواطن العربي بشكل عام و الفلسطيني و اللبناني بشكل خاص أن ثمن تأييد المقاومة المسلحة ضد إسرائيل هو محو مدينته من الخارطة لعدة عقود زمنية قادمة . وهنا قد يصبح العقل الباطني للشعوب العربية يربط بين المقاومة المسلحة و بين الخراب الشامل مما يولد ضغطا شعبيا داخليا ضد الفصائل المسلحة في الشرق الأوسط.

صدمة العزلة : هنا حاولت إسرائيل القضاء على نهج "وحدة الساحات" التي روج له فصائل محور المقاومة الإسلامية في الشرق الأوسط ، حيث قامت إسرائيل بالاستفراد بقصف قطاع غزة لوحده ثم لبنان لوحده و ثم قصف إيران لوحدها، ومازالت إسرائيل تحاول فصل حرب لبنان عن ملف المفاوضات الإيرانية -الأميركية. وهنا تحاول إسرائيل تحطيم الوعي الجمعي حول فكرة تحالف محور المقاومة ، فعندما يرى الفلسطيني أن غزة تباد لوحدها و إيران تكتفي بردود محسوبة ، ويرى اللبناني أن بلده تُدمر من أجل قضية خارجية ، يحدث عندئذ انكسار في الوعي العاطفي المشترك، ويحل محله وعي "الأنا" و"المصلحة الوطنية ".

ونتيجة لاستخدام تكتيكات الصدمة ، تحاول بعد ذلك إسرائيل هندسة الوعي العربي نحو " الاستسلام الواقعي" ، حيث قد تراهن هنا إسرائيل على أن تؤدي الصدمة الشديدة إلي حالة من الذهول تؤدي إلي ظاهرة " القابلية للتشكيل" بحيث يتم تشكيل العقل العربي لكي يتبني " الواقعية " بدلا من من "المشاعر ال حماس ية الوطنية" وبان يقبل فكرة أنه لا يمكن لبلاده تحدي التفوق العسكري و التكنولوجي في المنطقة. وهنا تأمل إسرائيل بأن يضطر بالنهاية العقل العربي لأن يقبل مبدأ القبول "بالأمر الواقع" ، كسبيل وحيد للنجاة و الصمود، و أن يقبل فكرة استيعاب إسرائيل كدولة قوية ذات نفوذ في الشرق الأوسط، لايمكن هزيمتها بل التعاون معها ،وعقد اتفاقيات سلام معها لتجنب التعرض لصدمات أخرى.

أما بالنسبة لإمكانية نجاح نهج الرعب و الصدمة التي تنتهجه إسرائيل في حروبها بالشرق الأوسط ، يرى بعض الخبراء أن هذا النهج يُعد أقل فعالية ضد الجماعات غير النظامية الرسمية مثل التمردات و المقاومين الذين يستمرون بعملهم المقاوم على الرغم من الصدمة الأولي . فعلى سبيل المثال ، على الرغم من الصدمات التي تعرض لها حزب الله بعد عملية البيجر الشهير و اغتيال قائده نصر الله ، مازال حزب الله يرفض الاستسلام ويعيد بناء بنيته العسكرية في لبنان ، و أيضا بالنسبة لحماس في قطاع غزة على الرغم من التدمير الشبه كامل لقطاع غزة و اغتيال معظم قادة الصف الأول في حماس ، فمازالت حماس تُشرف وتدير الوضع المدني و الأمني في قطاع غزة دون اكتراث بالتهديدات الإسرائيلية.

أما من الناحية الأخلاقية ، فيُعد تطبيق نظريات الرعب و الصدمة أمرا غير أخلاقيا و منافيا لحقوق الإنسان ، لأنه يُعتبر شكلا من أشكال العقاب الجماعي و الحرب النفسية غير الشرعية ضد الشعوب المستهدفة .

فالصدمة لديها أثار سلبية على الوعي الجمعي للشعوب من ناحية تغيير طريقة تفكيرهم في الدولة و السيادة و المطالبة بالحقوق الأساسية ، وهي تولد لدى الشعوب المستهدفة شعور بالهزيمة الحتمية ، فيتحول الوعي الجمعي من "الدفاع" إلي " الاستسلام النفسي" .

كما أن تدمير البنية التحتية المدنية ، كما حدث في قطاع غزة و لبنان يؤدي إلي حدوث حرمانا حسيا على مستوى المجتمع مما يُعزز الشعور بالعزلة و اليأس الجماعي و التفكير بالهجرة .

لذا يمكن القول ، أن هذه الصدمة التي تهشم الوعي الجمعي وتحدث فراغ بالعقل المستهدف بدون علاج وخطة لبناء وعي جديد ، قد يملأ هذا الفراغ مشاعر العنف و الانتقام ، مما قد يُولد ذلك جيلا أكثر عنفا وتطرفا ، ليس لديه ما يخسره ، خاصة في حال غياب خطط إعادة الإعمار و التعافي و عدم توفر بدائل محترمة للشعوب المصدومة تضمن لهم و لأبنائهم العيش في حياة كريمة ، تمنحهم الأمل في الاستقلال والحرية ، وحفظ كرامتهم الإنسانية .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد