في الصباحات التي تُقاس بخطوات الناس نحو طابور الماء لا بالوقت، تصبح الحياة فعل مقاومة يومي، لا مجرد عادة. هناك، حيث تصبح الطوابير أطول من أعمار الانتظار، وحيث يُختبر الصبر على أبواب نقاط بيع الخبز المزدحمة، جاءت الانتخابات البلدية في مدينة دير البلح كصورة غريبة على جدار واقعٍ مثقوبٍ بالقصف. مشهد شبان يعلّقون صور المرشحين بدا كأنه ينتمي إلى زمن آخر، زمن لم يعد الناس يتذكرون ملامحه جيداً، لكنهم لا يزالون يتوقون إليه.

في دير البلح، حيث تتكاثف الحكايات بين النزوح والدمار، تقف انتخابات البلدية كفكرة ملتبسة: هل هي فعل ديمقراطي حقيقي، أم مجرد محاولة لترميم المعنى في زمنٍ تتهاوى فيه المعاني؟ أربعة قوائم، يغلب عليها الطابع العائلي لا الحزبي، تدخل سباقاً يفترض أنه نحو “الخدمة العامة”، في حين أن مفهوم الخدمة ذاته بات هشاً تحت وطأة نقص الموارد وانهيار البنية التحتية. هنا، لا تُقاس البرامج بوعودها، بل بقدرتها على الصمود أمام واقع يكاد يبتلع كل شيء.

سياسياً، تبدو هذه الانتخابات كجزء يوحد الجسد الفلسطيني الممزق. غزة التي تُدير شؤونها تحت الحصار والنار، والضفة الغربية التي تواجه واقعاً مختلفاً لكنه لا يقل قسوة، كلاهما بحاجة إلى أكثر من انتخابات محلية: بحاجة إلى رؤية جامعة، إلى وحدة تعيد تعريف السياسة كأداة خلاص لا كترف تنظيمي. فالمجالس البلدية، مهما حسُنت نواياها، تبقى محدودة الأثر إذا ظلت تعمل في سياق انقسام يفتت الجغرافيا والإرادة السياسية معاً.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن مجرد التفكير في الانتخابات، في لحظة يُفترض أن تُختزل فيها الحياة إلى البقاء، يحمل شيئاً من العناد الجميل. أن يذهب الناس إلى صناديق الاقتراع، لا لأنهم يثقون تماماً بالنتائج، بل لأنهم يرفضون أن يُسلب منهم حق الاختيار، حتى في أدنى مستوياته. هذا الفعل، في حد ذاته، هو شكل من أشكال التمسك بالحياة.

السؤال الأهم ليس إن كان الناس سيشاركون أم لا، بل لماذا قد يشاركون. هل هو بحث عن تغيير فعلي في خدمات منهكة؟ أم محاولة للتمسك بفكرة أن الغد يمكن أن يكون مختلفاً؟ بعد عامين ونصف من الألم المتواصل، يصبح الأمل عملة نادرة، لكنّه أيضاً ضرورة نفسية وجماعية. الانتخابات، في هذا السياق، قد لا تغيّر الواقع جذرياً، لكنها تمنح الناس لحظة يشعرون فيها أنهم ما زالوا فاعلين، لا مجرد متلقين للكارثة.

في النهاية، قد لا تكون هذه الانتخابات قادرة على إعادة بناء ما تهدّم، ولا على إنهاء معاناة ممتدة، لكنها ت فتح نافذة صغيرة في جدار سميك. نافذة تقول إن الحياة، رغم كل شيء، مستمرة، وإن الناس، حتى وهم منهكون، ما زالوا يبحثون عن شكل ما من أشكال الغد. وبين طابور الماء وصندوق الاقتراع، تظل الحكاية واحدة: شعب يحاول أن يعيش، لا أن ينجو فقط. 

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد