فيروز (نهاد رزق وديع حداد)، من مواليد عام 1934، هي مطربة عربية ولدت في لبنان، تعد من أعظم وأرقى فناني العالم العربي، إن لم تكن هي الأعظم والأرقى، خاصة في مجال الغناء، الذي غلب عليه الأسلوب الشرقي، وهي من الجيل الذهبي للموسيقى العربية.
اشتهرت بموهبتها الفريدة، وصوتها العذب الذي شدا للحب، والوطن، والأطفال، والأم، والحزن، والفرح، ومصر، ومكة، والأردن، والطبيعة، فطربت لأغانيها الآذان على امتداد الوطن العربي لعدة أجيال، وما تزال. وأحدثت مع زوجها عاصي الرحباني، وشقيقه منصور (الأخوين رحباني) نقلة نوعية في الموسيقى العربية، حيث قدموا مئات الأغاني والمسرحيات الغنائية التي جسدت التراث وروح الشرق.
تنوعت أغانيها فشملت الجوانب السياسية، والاجتماعية، والوطنية، والقومية، والإنسانية، وهي تبحر في مضمون هذه الأغاني باحثة عن إجابات شافية لعديد من التساؤلات، أبرزها: متى تلتئم جراح الوطن؟ ومتى يعود الأهل والخلان إلى ديارهم؟ كما حفلت أغاني فيروز بتمجيد الشعب، والبطولة، والتاريخ العريق، والقيم الإنسانية، والكرامة، والمحبة التي تشكّل جوهر إنسانيتنا. وتميزت أغانيها بقصر المدة الزمنية، وحيوية المضمون، وعمق الفكرة، مما جعلها تأسر قلوب مستمعيها.
ومن اللافت للنظر أن فيروز لم تغنِّ إلى أي من القادة أو الزعماء، وإنما غنت للأوطان ؛ لإدراكها أن الأوطان هي الأبقى، ويجمع الناس عليها، أما الزعماء والقادة فهم راحلون، مهما كانوا على درجة من الاستقامة والصلاح، فالوطن هو الأبقى والأجمل.
وقد تعاونت لاحقاً مع ابنها المبدع زياد الرحباني في أعمال جددت هويتها الموسيقية، ومن هذه الأعمال: أغنية "على هدير البوسطة"، وأغنية "عودك رنان" التي تقول في مطلعها: "عودك رنان رنة عودك إلي، عيدا كمان ضلك عيد يا علي، سمعني العود"، وهذه الأغنية من الأغنيات التي أحدثت جدلاً واسعاً بين المتابعين حول رمزية هذه الأغنية ؛ حيث أكد زياد الرحباني أن "علي" هو عازف العود، وهو شاب في فرقة فيروز، وأن الأغنية لم تكن سياسية أو طائفية.
وقد لاقت أعمال فيروز الفنية رواجاً واسعاً في العالم العربي والغربي، فنالت أرفع الأوسمة العالمية، حيث تعد رمزاً لوحدة لبنان، وصوتاً عابراً للحدود العربية. وكانت إطلالات السيدة فيروز على مر السنين ذات سمت خاص، تُوِّجَتْ به على عرش الأناقة الخالدة المحتشمة، وقد أطلق عليها الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل لقب "سفيرتنا إلى النجوم"، كما لقبت بعدة ألقاب تعبيراً عن جمال صوتها وأعمالها الفنية التي ارتبطت بالهدوء والطبيعة، منها: (عصفورة الشرق، والعمود السابع لبعلبك، وأرزة لبنان، وجارة القمر، والصوت الملائكي، وأسطورة العرب، … إلخ).
وفي عام 2005م منحت الفنانة فيروز الدكتوراة الفخرية من الجامعة الأمريكية العريقة في بيروت، واعتبرت هذا التكريم هو تكريم للفن العربي وجمهوره.
ومن أغانيها الجميلة أغنية: (عصفورة الشجن)، التي تتناول مفهوم الزمن، والشعور بالغربة، ومحاولات استرجاع ذكريات الزمن الفائت، الممزوجة بالأفراح وبأحلام الماضي، بما يعكس عمق المشاعر الإنسانية، والارتباط بالماضي ، وفيها تقول:
أنا يا عصفورة الشجن، مثل عينيك بلا وطن راجع من صوب أغنية، يا زماناً ضاع في الزمن صوته يبكي فأحمله، بين زهر الصمت والوهن أي وهم أنت عشت به، كنت في البال ولم تكن
ومن أغاني فيروز الشهيرة: (أعطني الناي وغنِّ فالغنا سر الوجود، وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود)، وهي من كلمات الشاعر اللبناني الكبير جبران خليل جبران في قصيدته الرائعة: (المواكب)، التي تشع بالفكر المتوقد، وتمزج بين فلسفة الدعوة للتصالح مع الطبيعة والهروب من ضجيج الحياة، والتحلي بالبساطة والتجرد والمحبة، وتمتاز باللحن الهادئ على مقام النهاوند.
ومن أغانيها الوطنية الرائعة أغنية: (احكيلي عن بلدي احكيلي) التي تعبر عن الحنين للوطن، والتمسك بالجذور، ولا تزال هذه الأغنية تُبث في المناسبات الوطنية اللبنانية، وفي الغربة لقدرتها على لمس مشاعر الحنين.
وقد غنت فيروز عديداً من الأغاني والأعمال التي تمجد فلسطين وقضيتها، أبرزها أغنية: "سافرت القضية" التي جسدت مراحل غياب القضية الفلسطينية وعودتها للواجهة من جديد، وأغنية: "راجعون" التي كانت أغنية افتتاح إذاعة فلسطين عند تأسيسها في القاهرة عام 1955، وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الكبير هارون هاشم رشيد، وأغنية: "جسر العودة"، حيث عبّرت فيها عن دور الفتاة الفلسطينية في مخيمات اللجوء، وهي تصوّر معاني الصمود والتمسك بالأرض، إضافة لأغانيها التي تعبّر عن التعلق بمدن فلسطين مثل: بيسان، ويافا.
أما أغنيتها الأروع والأكثر خلوداً، فهي أغنية: (زهرة المدائن) التي غنتها عام 1967، وهي تعبّر عن مكانة القدس في النفوس، وحنين القلوب إليها، ورحيل العيون لرؤيتها كل يوم، كما تعبر عن الإرادة الصادقة والعزيمة القوية لتحريرها، كما أن الأغنية رسمت لوحة فنية مبدعة عن مدرسة العيش المشترك في القدس وفي فلسطين كلها، ووطن العرب بين مكونات الأمة، حيث تتضمن عبارات مثل: "لأجلِكِ يا مدينة الصلاة أُصلي.. يا زهرة المدائن"، وقولها: "تدور في أروقة المعابد تعانق الكنائس القديمة وتمسح الحزن عن المساجد، يا ليلة الإسراء يا درب من مروا إلى السماء"، إلى قولها: "الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان".
وشدت بحنينها للقدس في أغنية: "القدس العتيقة"، كما ترنمت بترنيمة "إلى متى يا رب"، تعبيراً عن هذا الحب العميق بكلمات وألحان خالدة، لتصبح أغانيها رمزاً للتعلق بالقدس وتاريخها. ومن كلمات الشاعر اللبناني سعيد عقل، غنت فيروز عن "مكة المكرمة" قائلة:
غنيت مكة أهلها الصيدا، والعيد يملأ أضلعي عيدا يا قارئ القرآن صل له، وأهلي هناك طيب البيدا وأعز رب الناس كلهم، بيضاً فلا فرقت أو سودا
كما غنت فيروز لمصر، وعبرت عن حبها لها من خلال أغاني مثل: "شط إسكندرية"، و"مصر عادت شمسك الذهب"، وأقامت حفلات تاريخية فيها، مما يدل على عمق العلاقة بينها وبين الشعب المصري، خاصة وأنها غنت كلمات وألحان مصرية، وعبّرت عن الإعجاب بمصر مهد الحضارة، وبحر الكرم، أم العرب.
وتعد (ميس الريم) من أجمل وأشهر مسرحياتها الغنائية، التي عرضت عام 1975، وغنت فيها فيروز روائعها الغنائية مثل: "سألتك حبيبي"، و"حبوا بعض"، و"مختار المخاتير"، و"هالسيارة مش عم تمشي، بدنا حدا يدفشها دفشة"، والتي تعبّر عن الجمود والتوقف في الحياة، والحاجة إلى دفعة إلى الأمام، وغالباً ما تفسر على أنها رمز للقضية أو الوطن الذي لا يتقدم، مستخدمة السيارة كاستعارة للحياة التي تعجز عن الحركة، وتتطلب مساعدة خارجية للانطلاق مجدداً.
وفي مسرحيتها الغنائية (جبال الصوان) التي عرضت عام 1969، مثَّلت فيها فيروز دور (غربة)، هذه المسرحية التي تجسد النضال ضد الظلم والاستبداد، بطلتها (غربة) التي تقاوم الطاغية (فاتك) لتحرير أرضها، وكأنها ترمز لكل فلسطيني أُخْرِجَ من وطنه كرهاً، وحرمته النكبات المتتالية من العودة، ونضاله من أجل الأرض والحرية، حيث تقول في أحد المقاطع: (اللي مطرود منو ضيف، حامل حزنو معه، وحامل الحزن بيهربوا منو الناس، بيخافوا يعديهن).
إن الموسيقى والغناء هما القوة الناعمة، التي تظل أحد أهم أدوات التعبير عن القضايا العادلة، وإيصال رسالة صاحب الحق إلى العالم. وهكذا، فالمجتمعات التي لا تملك صوتاً لا تُرى. لقد أصبحت فيروز "صوت فلسطين" الذي ظل يصدح بالحق، ولم يخفت قط، وهو يطوف أرجاء الوطن العربي مترنماً بكلمات وألحان الأخوين رحباني تعبيراً عن الحق والخير والجمال والحنين إلى الوطن.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
