في اللحظة التي يقترب فيها موعد "الإنذار" المتعلق بسلاح غزة من نهايته، تتكثف المؤشرات على أن المسألة لم تعد مجرد بندٍ تفاوضي، بل تحوّلت إلى عقدة سياسية تُستخدم كمدخلٍ محتمل لاستئناف حرب الإبادة وعودة مخططات التهجير. في هذا السياق، تبدو الاستعدادات الإسرائيلية للعودة إلى القتال، بالتوازي مع الضغط الأمريكي، وكأنها تعيد إنتاج المعادلة ذاتها: إما الاستجابة لشروط قصوى، أو فتح أبواب الجحيم مجدداً.
لكن اللافت هو استمرار الحديث عن قبولٍ من الأطراف كافة بخطة الرئيس الأمريكي ترامب في أكتوبر من العام الماضي، والتي تضمّنت في أحد محاورها موضوع السلاح. غير أن هذا القبول، بصيغته العامة، لا يعني التسليم بالشروط كما طُرحت حينها، بل يفتح نافذة سياسية كان يمكن البناء عليها لتفكيك الأزمة بدل تفجيرها. وهنا يبرز السؤال: لماذا يجري الدفع نحو الحافة رغم وجود إطار قابل للبحث عن مخارج تحقق الغرض؟
الحقيقة التي لا يمكن القفز عنها، هي أن طرح "نزع السلاح الكامل والفوري وغير المحدد كماً ونوعاً" في ظل غياب أي أفق لمسار سياسي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني ويحفظ كرامته، هو أمر يصعب قبوله. فالمعضلة الجوهرية لا تكمن في وجود السلاح بحد ذاته، بل في اقترانه بالحكم، بحيث يصبح القرار السياسي والسلطة التنفيذية مرتبطين به بشكل عميق.
هذه المعادلة، بصيغتها القائمة، لا تفتح الباب فقط أمام استمرار حالة التشظي والانقسام الداخلي، بل توفّر أيضاً للاحتلال ذريعة دائمة لتبرير عدوانه واستئناف حربه متى شاء. ومن هنا، فإن كسر هذه الحلقة لا يمر عبر نزع السلاح كلياً وفق شروط الاحتلال — وهو طرح غير واقعي في ظل غياب الضمانات والأفق السياسي — ولا عبر الإبقاء على الوضع القائم، بل من خلال فصلٍ مدروس بين السلاح والحكم؛ بحيث تُدار السلطة بمرجعية وطنية تعبّر عن الكل الفلسطيني، بما في ذلك تنظيم السلاح ضمن إطار وطني جامع يخضع لقرار سياسي موحّد. وهذا يتطلب، بشكل واضح، إعلان حركة حماس موافقتها الصريحة على ما كان قد اقترحه حزب الشعب في كانون الثاني الماضي، والقائم على اتفاق الفصائل كافة والحكومة الفلسطينية على آليات مناسبة لمعالجة ملف السلاح، بدعم من الأشقاء العرب.
وإذا كانت هذه المعادلة تمثّل المدخل السياسي، فإن ترجمتها العملية تقتضي البحث في أدوات تنفيذ واقعية، خاصة بعد تشكيل لجنة "التكنوقراط" لإدارة قطاع غزة، بما يضمن تسيير شؤون الناس، وإعادة الإعمار، وتخفيف معاناتهم اليومية.
لكن أي نقاش في الترتيبات السياسية أو الأمنية يفقد معناه إن لم ينطلق من الأولوية الأساسية: حياة الناس وبقاؤهم على أرضهم. فغزة اليوم لا تحتمل تجارب جديدة ولا رهانات مفتوحة. إن استمرار الحصار، وتهديد الحرب، والانهيار الإنساني، كلها عوامل تدفع باتجاه نتيجة واحدة خطيرة: دفع الناس نحو الرحيل القسري.
ومن هنا، يجب أن يكون الموقف واضحاً لا لبس فيه: حياة الفلسطينيين في غزة، وصمودهم على أرضهم، خط أحمر لا يجوز المساس به أو المقامرة عليه تحت أي ظرف. إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس فقط احتمال استئناف الحرب، بل إمكانية توظيفها كوسيلة لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي، عبر التهجير المباشر أو غير المباشر. لذلك، فإن أي مخرج حقيقي يجب أن يُقاس بقدرته على منع هذا السيناريو، لا بمدى استجابته لشروط القوة المجردة.
المطلوب اليوم ليس إدارة الأزمة والمراهنة على عامل الوقت، بل كسر مسارها. في المحصلة، قد يختلف الجميع على التفاصيل، لكن ما يجب أن يكون محل إجماع هو أن السلاح لا ينبغي أن يكون ذريعة لتدمير المجتمع، ولا أن يبقى الحكم رهينة له، وأن حياة الناس ليست ورقة تفاوض، وبقاؤهم على أرضهم ليس تفصيلاً. هذه هي القاعدة التي يجب أن يُبنى عليها أي حل، وما دون ذلك ليس سوى إعادة إنتاجٍ لمأساة يعرف الجميع كيف تبدأ، ولا أحد يعرف كيف تنتهي.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
