أستميح القرّاء عذراً في بداية هذا المقال بأنني سأُشير إلى المقال الأوّل الذي كتبته منذ اليوم الأوّل لاندلاع هذه الحرب بالعدوان الغادر والغاشم على إيران، وبالمقال الأخير الذي نُشرَ في «الأيّام» صبيحة يوم الإثنين الماضي، وفي عزّ خطاب «محو الحضارات» والعودة بإيران إلى العصور الحجرية!

وحتى لا يبدو الأمر وكأنه حالة غرور وتفاخر فإنني أُعاود التأكيد هنا على أنّ نجاح الكاتب السياسي في توقّعاته هو الأصل، وهو المفترض.

وهو بمعنى من المعاني واجبه ومسؤوليته، وهو ما يجدر أن يكون عليه الأمر، وهي مسؤولية يفترض أنها المسؤولية التي «يُحاسب» عليها إذا أخطأ التقدير، ولا يفترض أن يُكافأ عليها إذا أحسن مثل هذا التقدير.

المقال الأوّل، خلص المقال إلى المثل الشعبي «ليس المهمّ من يضحك أوّلاً، المهمّ هو من يضحك في النهاية».

كانت هذه الخلاصة تبدو في «غبار» ذلك الهجوم الذي شنّته أميركا ودولة الاحتلال وكأنها حالة انحياز مسبق، لا تستند إلى أيّ أُسس موضوعية، وخصوصاً من زاوية موازين القوى الواقعية، وكانت هذه الخلاصة، من هذه الزاوية تبدو بالذات ضرباً من ضروب «التحليق» السياسي والإفراط في التفاؤل، والمخيال الحالم إلى درجة أن أحد أصدقائي ذكّرني في تعليقه على المقال، وهو شخصية أردنية محترمة وأعتزّ بسنوات طويلة من صداقته، بكون كل ما كتبته آنذاك ليس سوى أضغاث أحلام.

أورد هذا كلّه حول ذلك المقال، وأنتهز هذه الفرصة لكي أُبيّن أن الأمر كلّه ليس له علاقة، لا من قريب، ولا من بعيد بأيّ انحيازات مسبقة، ولا بأيّ اعتبارات خاصة، ولا بالأحلام والخيال، ولا بالأوهام أو الانطباعات.

كلّ ما في الأمر أن الاتفاق أو الاختلاف مع إيران النظام السياسي لا يجوز أن يحجب رؤية الحقيقة، وهي حقيقة مؤسّسة على الواقع والمعطيات، والتي مفادها أن الحرب التي شنّها «الثنائي» الشرّير ما كانت لتندلع أصلاً لولا أن أميركا وإلى جانبها دولة الاحتلال، والأصح القول هنا من خلفها ومن أمامها».. لولا أن هذا «الثنائي» قد فشل فشلاً ذريعاً في حسم أيّ ملف من ملفات الإقليم، وأن الحرب التي شنّاها على مدار أكثر من عامين كاملين، بأقسى أشكال الحروب توحُّشاً وهمجية لم تستكمل، وأنها قد حقّقت الكثير من الإنجازات التكتيكية المبهرة، إلّا أنها عجزت عن الإنجازات الأهمّ، وهي إنجازات الوجهة الإستراتيجية للصراع.

هذا العجز بالذات كان يفترض أن يؤدي بأي كاتب سياسي جادّ إلى الذهاب مباشرة إلى استنتاج هو موضوعي في موقعه وطبيعته، مفاده أن من فشل في مواجهة غزّة، بالرغم مما انطوت عليه حرب الإبادة الجماعية والتجويعية، ومن فشل في لبنان من خلال حملات القتل والتدمير أثناء «معركة الإسناد»، ومن فشل في إخضاع وتطويع جماعة «أنصار الله» «الحوثيين» اليمنية، ومن فشل في عدوانه على إيران في حرب الـ 12 يوماً لن ينتصر، ولا يمكن أن ينتصر في الحرب الغادرة الجديدة، بل إن موضوعية الكاتب السياسي في مثل هذه الحالة تقتضي منه الانحياز إلى مثل هذا الاستقراء المنطقي، والاستنتاج الموضوعي المجرّد من الاعتبارات الخاصة، أو المسبقة.

ولهذا بالذات فإن الخلاصة التي انتهى إليها المقال لم تكن سوى محاولة للانحياز إلى الحقائق الموضوعية، وإلى الوقائع الماثلة للعيان، وليس إلى أيّ اعتبارات فكرية أو ذهنية، أو انحيازات سياسية من أي نوع.

أما المقال الثاني، وهو الأخير، والذي كُتب على وقع خطاب «محو الحضارات»، وعلى وقع إعادة ظهور رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» على الشاشات من جديد للتبشير بأن النظام الإيراني «هالك لا محالة» حتى وإن تأخّر الأمر قليلاً، وأن «الشرق الأوسط الجديد» يأتي مُسرعاً، وأن الاتجاه قد تقرّر، وأن الصراع قد حُسمت نتيجته النهائية، وأن كل شيء على ما يُرام، وأن الانتصار في هذا الصراع ليس سوى مسألة وقت قصير، ولم يعد هناك من أيّ إمكانية سوى حسم الإقليم، مرّة وإلى الأبد.

قلنا في الفقرتين الأخيرتين في هذا المقال إن شيئاً من هذا لن يحدث، وإن الهزيمة لـ»الثنائي الشرّير» قادمة لا ريب فيها، وإن دولة الاحتلال ستكون هي الخاسر الأكبر من هذه الحرب، وإن عليها أن تعمل حسابها على أن هذه الحرب ستؤدّي بالضرورة إلى انكماش المشروع الصهيوني على طريق الانكفاء الأكبر، مرّة بانهيار «دولة إسرائيل الكبرى»، ثم المراوحة بمحاولة السيطرة على فلسطين التاريخية لكي تذهب سريعاً إلى «الدولة الصغرى في حدود الـ 4 من حزيران للعام 1967» بصرف النظر عن أي تعديلات هنا وهناك لا تؤثر على حتمية الانكماش، والتغير في واقع الانكفاء.

وهنا، أيضاً، لم تكن هذه الخلاصة، لا أحلام ولا أوهام، لا تطيُّر سياسياً ولا عواطف فكرية أو ثقافية، لا مواقف مسبقة، ولا تمنّيات أو رغبات، كل ما في الأمر هو استقراء، أو محاولة للاستقراء من واقع رؤية الفشل الإستراتيجي، وأُفول نجم، أو بداية أُفول نجم الإمبراطورية الأميركية التي لا تتعلّق «بحتميات» تاريخية، ولا بمواقف أيديولوجية، وإنّما وكما يكاد يُجمع كل مراقب جادّ، وكل دارس ومتابع لمسار هذه الإمبراطورية، في بلاد «الغرب»، وفي الداخل الأميركي نفسه، ولدى كل مراكز البحث المتخصصة، ولدى النخب العالمية في غالبيتها الساحقة، يُجمعون على أن الأُفول بات على الأبواب، في كل مؤشّراته الاقتصادية والاجتماعية، الثقافية والفكرية، والسياسية المباشرة بكل وضوح وتأكيد.

وتأسيساً على ذلك، وعليه بالذات نستطيع أن نستقرئ فترة وقف إطلاق النار، وما سيتلوها من تطوّرات قابلة للتوقّع، وقابلة للقراءة الأوّلية.

لم تكن أميركا لتربح شيئاً جوهرياً واحداً لو أنها أقدمت على الذهاب بعيداً في تهديداتها، على عكس دولة الاحتلال تماماً.

وكانت ستقامر بتدمير الإقليم بكل مقوّماته، وهي خسارة أكبر من أي أرباح، وهنا، أيضاً، كانت دولة الاحتلال ستربح كثيراً لو تمّ تدمير مصادر الطاقة في الخليج العربي لأنها راهنت على تسيُّد المنطقة حتى ولو كانت خساراتها باهظة وكبيرة، وكانت الحرب بهذا المعنى تستحق كل هذه الخسارات.

تراجعت أميركا لأنها أدركت، والأصحّ القول هنا، لأن ترامب أدرك أن الذهاب إلى تنفيذ التهديدات سيخلق أزمة عالمية للاقتصاد العالمي، وسيولّد بيئة مستعرة لأزمة داخلية قد تنتهي بتفعيل المادة 25 من الدستور الأميركي بتنحية الرئيس تحت طائل عدم الأهلية، وكانت ستؤدي إلى تصدّع الحزب الجمهوري، وربّما انفضاض قطاعات واسعة من «ماغا» عن استمرار تأييده، والمغامرة بخسارة مؤكّدة في الانتخابات النصفية، وربما أبعد من ذلك، أيضاً.

من هنا فإن الإدارة الأميركية من مصلحتها التوقّف هنا بالرغم من «قسوة الاتفاق عليها»، سيكون لديها فرصة «الترميم» المطلوبة والضرورية، لأن البديل كان سيؤدي إلى انعدام حتى فرصة كهذه.

وتستطيع أميركا الآن أن تراهن على بقاء «رشيق» في الإقليم، وأن تعيد علاقاتها مع إيران بما يحقق لها مكاسب كبيرة في المستقبل، وأن تعود كعامل فعّال ومؤثّر في صراعات الإقليم إذا تزعّمت إستراتيجية جديدة في حلّ أزمات ومشكلات هذا الإقليم من وحي مصالحها الذاتية، وليس من وحي مصالح دولة الاحتلال أوّلاً، وقبل المصالح الأميركية.

لكن على هذه الإدارة إذا أرادت أن تنجح في هذا المسعى أن تراجع، وأن تتراجع لأن ليس لديها فرص واسعة لإعادة المداورة والمناورة.

أما إيران التي خرجت بخسائر هائلة من هذه الحرب حتى الآن لن تنتصر جوهرياً بالرغم ممّا حققته من إنجاز تاريخي، إلّا إذا كرّست جهوداً استثنائية في انتشال الشعب الإيراني من أزمات الفقر وانخفاض مستوى المعيشة، وإلّا إذا أعادت بناء نظامها السياسي بما يحصّنه إستراتيجياً من أيّ تصدّع قادم.

وأمّا «محور المقاومة» فإن عليه أن يُعيد الاعتبار لمرحلة البناء الوطني في كل بلدٍ الأهمية التي يتطلبها هذا البناء، لأنه الشرط الأوّل في بقاء الدور والمكانة، وفي التأثير والتغيير.

أمّا دولة الاحتلال، والتي يحتاج الاستقراء بشأن مستقبل التطوّرات فيها الكثير من الكتابات القادمة، فإنها ــ أي دولة الاحتلال ــ تحتاج إلى العودة السريعة والمباشرة للبحث عن حلول حقيقية، وليست متخيّلة، نابعة من الواقع المحيط بها، ومن أزماتها المستعصية، وليس من الأساطير التوراتية و»التلمودية»، والتوجّه الواقعي للعيش على مقياس حجمها، وإيجاد السبل والوسائل الكفيلة بالعودة إلى مقولة تنطبق عليها بالكامل: الوقائع دائماً عنيدة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد