للعام الثالث على التوالي، يواصل أكثر من مليون ونصف نازح في قطاع غزة حياةً قاسية تحت القماش، بعدما التهمت حرب الإبادة بيوتهم، وبدّدت استقرارهم، ودفعتهم إلى بقعٍ ضيقة من الأرض لا تصلح للحياة. لم تعد الخيمة محطة مؤقتة كما كان يُظن، بل تحولت إلى واقعٍ ثقيل، وإلى عنوانٍ دائم لمعاناة مركّبة تتداخل فيها السياسة بالإنسان، والكارثة بالإهمال، والحقّ المسلوب بالصمت الدولي.
في هذه المخيمات المكتظة، لا تقتصر المعاناة على فقدان السكن، بل تتعداه إلى تهديدٍ دائم بالطرد. كثير من النازحين يعيشون تحت ضغط مطالبات أصحاب الأراضي بإخلائها أو دفع بدل إيجار، في مفارقة قاسية تجعل الضحية رهينةً مرتين: مرةً بفعل الحرب التي هجّرته، ومرةً بفعل العوز الذي يمنعه من تأمين بديل. هكذا، تتحول الخيمة إلى مساحة مؤقتة مهددة، لا توفر الأمان ولا الاستقرار، وتُبقي النازح في حالة قلقٍ دائم.
أما داخل هذه الخيام، فالصورة أشد قسوة. تنتشر الحشرات بكل أنواعها: البراغيث، القمل، الذباب، والبعوض، في بيئةٍ تفتقر إلى أدنى شروط النظافة والصحة العامة. ولا تقف الأخطار عند هذا الحد، بل تتفاقم مع تكاثر الفئران و”العرس“ (ابن عرس)، التي لم تعد مجرد ظاهرة بيئية، بل تحولت إلى خطرٍ مباشر يهاجم النساء والأطفال، ويعبث بالمواد الغذائية، وينقل الأمراض المعدية في ظل غياب شبه كامل لإجراءات المكافحة.
الصحة العامة في المخيمات تتدهور بشكلٍ متسارع. سوء التغذية، ونقص مياه الشرب النظيفة، وغياب الرعاية الصحية الكافية، كلها عوامل أدت إلى انتشار الأمراض المعدية بين النازحين. الجرب وجرثومة المعدة ليست سوى أمثلة على واقعٍ صحي مقلق، حيث تتحول الأمراض البسيطة إلى تهديدات خطيرة بسبب غياب العلاج أو تأخره. ومع وجود “الآبار السوداء” غير الصحية، يتضاعف الخطر، إذ تهدد هذه الحفر المكشوفة بتلوث المياه الجوفية، ما ينذر بكارثة بيئية وصحية ممتدة.
الخيام نفسها لم تعد صالحة للحياة. فهي مهترئة، لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء،  تقتلعها الرياح وتغرقها مياه المطر  . ومع ضيق المساحات وتكدس السكان، تتحول المخيمات إلى بيئات خانقة، حيث تتآكل الخصوصية، وتتفاقم التوترات الاجتماعية، ويغيب الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. لا مساحة كافية، لا مرافق صحية ملائمة، ولا بنية تحتية قادرة على استيعاب هذا العدد الهائل من البشر.

وإلى جانب هذه الأزمات اليومية، تتفاقم مشكلات مزمنة تزيد المشهد قتامة. البطالة تضرب غالبية النازحين، والسيولة النقدية شبه معدومة، فيما ترتفع الأسعار بشكلٍ جنوني في ظل الاستغلال والاحتكار. يصبح الحصول على الغذاء أو المياه النظيفة تحدياً يومياً، وتتحول أبسط مقومات الحياة إلى سلعٍ نادرة. في هذا السياق، يتراجع الأمن المجتمعي والشخصي، وتزداد مظاهر القلق وعدم الاستقرار، في ظل غياب حلول حقيقية وشاملة.
إن ما يعيشه النازحون اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات القهر والإبادة، ولفشل المجتمع الدولي في تحمل مسؤولياته. استمرار هذا الواقع للعام الثالث على التوالي يشكل إدانة صريحة لكل من يكتفي بالمراقبة أو بإدارة الأزمة بدل حلّها. فالمخيمات لم تُنشأ لتكون بديلاً دائماً عن البيوت، والخيام لم تُصمّم لتحتضن حياةً كاملة بكل تفاصيلها.
وأمام هذا الواقع القاسي، تتواصل حالة العجز والارتباك السياسي، الذي يغرق في مستنقع المراهنة ويراوح في مربع الانتظار، فيما يجد النازحون أنفسهم عراة في مواجهة مأساة مرشحة لأن تطول لسنوات. فلا أفق واضح للحل، ولا إجراءات بحجم الكارثة، وكأن معاناة مئات الآلاف تُدار بمنطق التأجيل لا المواجهة.
إن استمرار هذا الوضع لم يعد يحتمل الانتظار أو الرهان على تدخلات خارجية قد تأتي أو لا تأتي. فالحاجة باتت ملحّة لمبادرة تنبثق من بين النازحين أنفسهم، وبمساندة القوى المجتمعية الحيّة، لتشكيل هيئة وطنية تُعنى برعاية شؤونهم، وتنظيم أوضاعهم، والدفاع عن حقوقهم، والعمل على تلبية الممكن من متطلبات حياتهم اليومية بكرامة وإنسانية.
هيئة كهذه يمكن أن تشكل إطارًا جامعًا يوحّد الجهود، ويضع حدًا لحالة الفوضى والاستغلال، وي فتح الباب أمام إدارة أكثر عدالة وشفافية للموارد المحدودة. ففي ظل الغياب أو التقصير الرسمي، يصبح التنظيم الذاتي ضرورة لا خيارًا، وخطوة أولى على طريق حماية الناس وصون كرامتهم، بانتظار الحلّ الأوسع الذي يعيدهم إلى بيوتهم، وينهي فصول هذه المأساة المفتوحة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد