مع دخول الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران يومها الخامس والثلاثين، تتزايد المؤشرات في إسرائيل على أن المواجهة تتجه نحو حرب أطول وأكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية. فبينما تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما الجوية المكثفة داخل إيران، تكشف التقديرات الصادرة عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الحرب تتوسع إقليمياً، وأن الجبهات المرافقة – خصوصًا لبنان – قد تتحول إلى ساحة استنزاف طويلة.
وبحسب التقييمات التي نشرها الخبير والباحث العسكري دافيد جندلمان، تواصل إسرائيل والولايات المتحدة تنفيذ موجة من الضربات الجوية داخل العمق الإيراني، استهدفت مدناً عدة بينها طهران وكرج وأصفهان وشيراز وتبريز. وتشمل الأهداف مواقع عسكرية متنوعة مثل مخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنصات الإطلاق ومنظومات الدفاع الجوي ومقار القيادة. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن نحو 80–85% من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية تعرضت للتعطيل أو التدمير، في حين ما تزال نسبة محدودة من هذه المنظومات تعمل بشكل متفرق، الأمر الذي يجعل اكتشافها واستهدافها أكثر صعوبة.
في المقابل، ما يزال حجم إطلاق الصواريخ الإيرانية محدوداً نسبياً، ويصل إلى نحو 20 صاروخاً يومياً. ومع ذلك، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن إيران لا تزال تمتلك أكثر من ألف صاروخ ونحو 150 منصة إطلاق نشطة، وهو ما يعني أن قدرتها على مواصلة الرد الصاروخي لم تُستنزف بالكامل بعد. وقد سجلت إحدى الضربات الإيرانية إصابة مصنع Aero Sol في بيتاح تكفا، وهو مصنع متخصص في إنتاج المواد المركبة والمكوّنات الخاصة بالطائرات المسيّرة، حيث قدرت الشركة الأضرار بأنها كبيرة.
وفي تطور ميداني لافت، أُسقطت طائرة أميركية من طراز مقاتلة إف-15 إي فوق محافظة خوزستان الإيرانية. وتمكن الطيار من القفز بالمظلة وإنقاذه لاحقاً، في حين لم يُعثر على ضابط الأسلحة حتى لحظة نشر التقارير. كما سقطت طائرة هجومية أميركية من طراز طائرة الهجوم الأرضي إيه-10 خلال عملية الإنقاذ نفسها، وتمكن طيارها من القفز بالمظلة والوصول إلى الكويت حيث جرى إنقاذه. وبحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن هذه الحوادث لا تُعد غير متوقعة بعد تنفيذ أكثر من 13 ألف طلعة جوية منذ بداية الحرب.
في الوقت ذاته، تشير تقارير عسكرية إلى أن الولايات المتحدة تعزز حضورها العسكري في المنطقة، مع توجه حاملة الطائرات الأميركية جورج بوش الأب نحو الشرق الأوسط واستمرار حشد قوات إضافية من مشاة البحرية والمظليين، في مؤشر على الاستعداد لاحتمالات تصعيد إضافي أو حتى عمليات برية محدودة إذا استدعت التطورات ذلك.
بالتوازي مع الجبهة الإيرانية، تكشف التقديرات الصادرة داخل الجيش الإسرائيلي عن معضلة استراتيجية متزايدة في الجبهة اللبنانية. فبحسب تقرير للمحلل العسكري في صحيفة هآرتس يانيف كوبوفيتش، أوضح مسؤولون في الجيش الإسرائيلي أن تفكيك حزب الله من سلاحه بالقوة العسكرية ليس هدفاً قابلاً للتحقيق في إطار الحرب الحالية، وأن تحقيق ذلك يتطلب عملياً احتلال لبنان بالكامل، وهو سيناريو لا يعتبره الجيش هدفاً للحرب في الظروف الحالية.
ووفق هذه التقديرات، يستعد الجيش الإسرائيلي لتقديم خطة إلى المستوى السياسي تتضمن إقامة شريط أمني داخل جنوب لبنان بعمق يتراوح بين كيلومترين وثلاثة كيلومترات من الحدود، مع إخلاء معظم سكان القرى القريبة من الحدود لمنع الاحتكاك بين الجنود والسكان المدنيين. وتشير التقديرات العسكرية إلى أن حزب الله ما يزال يحتفظ بنحو 10 آلاف صاروخ وما يقارب 400 منصة إطلاق، وهو ما يسمح له بمواصلة إطلاق الصواريخ لفترة قد تصل إلى شهرين وفق الوتيرة الحالية. كما يعتمد الحزب على نشر منصات إطلاق صغيرة ومتنقلة في الجبال والوديان، ما يجعل اكتشافها واستهدافها أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق، يرى الضابط السابق في جهاز الشاباك دورون ماتزا أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية في لبنان تعكس إلى حد كبير تكراراً للأنماط التي ظهرت خلال حرب لبنان الثانية 2006. فبحسب تحليله، يركز الجيش الإسرائيلي مرة أخرى على عمليات محدودة في الجنوب ومحاولة تقليص إطلاق الصواريخ عبر استهداف المنصات، دون معالجة جذرية للبنية العسكرية لحزب الله. ويضيف أن الحزب تكيف مع هذا النمط من القتال، معتمداً على إطلاق الصواريخ بعيدة المدى من مناطق أبعد شمالاً يصعب على الجيش الإسرائيلي منعها ضمن الاستراتيجية الحالية.
وفي السياق ذاته أشار المحلل العسكري يوسي يهوشع في قناة آي 24 نيوز إلى أن الجيش الإسرائيلي أتمّ خططاً هجومية لأسابيع قادمة بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ما يعني أن المؤسسة العسكرية تستعد لمرحلة جديدة من التصعيد وليس لتخفيف وتيرة العمليات.
وفي موازاة التطورات العسكرية، تشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن المرحلة المقبلة من الحرب قد تشمل توسيع نطاق الضربات ليشمل الاقتصاد الإيراني. فبحسب تقرير للصحفي العسكري إيتاي بلومنثال في هيئة البث الإسرائيلية كان 11، أعدت إسرائيل والولايات المتحدة بنك أهداف يشمل منشآت الطاقة والنفط والبنية التحتية الوطنية والجسور الرئيسية، بهدف إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد الإيراني. غير أن تنفيذ هذه الخطة لا يزال بانتظار موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يثير التساؤل حول ما إذا كانت هناك عملية تضليل سياسي في إدارة الصراع.
على الصعيد السياسي، تبدو فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار محدودة في الوقت الراهن. فقد أفادت تقارير إعلامية، من بينها تقرير للصحفية جيلي كوهين استنادًا إلى معلومات نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال، أن الجهود التي تقودها باكستان للتوسط بين الولايات المتحدة وإيران وصلت إلى طريق مسدود، بعدما أبلغت طهران الوسطاء بأنها غير مستعدة لعقد لقاءات مع مسؤولين أميركيين في المرحلة الحالية، معتبرة أن المطالب الأميركية غير مقبولة.
وتثير هذه التحركات التساؤلات حول إمكانية قيام إدارة الرئيس دونالد ترامب باستخدام التضليل السياسي، عبر تقديم صورة محدودة للعمليات أو أهداف قصيرة المدى، بينما الواقع العسكري يشير إلى استعدادات لتصعيد أوسع يشمل الاقتصاد الإيراني والجبهات الإقليمية.
في ضوء هذه المعطيات، تشير التقديرات العسكرية الإسرائيلية إلى أن الحرب مرشحة للاستمرار لأسابيع إضافية على الأقل، مع استمرار الضربات داخل إيران وتواصل المواجهة في لبنان واحتمالات توسعها إلى مجالات اقتصادية وبنى تحتية. وبذلك تتحول الحرب تدريجيًا إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات، تكشف في الوقت نفسه عن فجوة متزايدة بين الأهداف السياسية المعلنة للحرب وبين التعقيدات العسكرية والاستراتيجية التي يفرضها واقع الميدان.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
