لو كانت إيران تتوسل وقف الحرب، كما يدعي الرئيس الأميركي، لكانت وافقت مبدئياً، على الأقل، على عرضه المتضمن خمسة عشر بنداً لوقف الحرب، ولكانت سارعت إلى الرد على تلك الورقة، بل لو كان صحيحاً أن قدرات إيران العسكرية قد دُمرت بنسبة تزيد على 90% كما ادعى بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، منذ بداية الحرب، لما كان ترامب قد فكر أو حتى استجاب "لتوسل" إيران، دون تحقيق أبعد هدف أطلق هذا الثنائي الحرب من أجل تحقيقه، وهو إسقاط النظام الإيراني، باعتبار ذلك الهدف يحقق لهما كل الأهداف الأخرى، لأنه يضع البلاد بكامل مقدراتها وإمكانياتها في "جيبهما الخلفية"، بحيث يحصل الأول على الجغرافيا التي يسعى إليها، بعد أن يزيل من طريقه كل قواعد القوة الإقليمية المضادة لأحلامه التوسعية، ويحصد الثاني ثروات الخليج التي يحتاجها في صراعه الكوني مع الصين على زعامة النظام العالمي.
والحقيقة أن الميدان هو الذي يفضح الكذب المتواصل، الذي لم يتوقف عند حدود الادعاء بتدمير 90% من القوة العسكرية الإيرانية وحسب، بل تواصل كل يوم، وصولاً إلى ما قبل أسبوعين تقريباً، أي بعد انقضاء المرحلة الأولى للحرب، المتمثلة بالضربة الأولى، استناداً إلى ما سيسفر عنه اغتيال رأس النظام وعدد مهم من القادة العسكريين والسياسيين، وفي علم الحروب، عادة هناك طرفان، أحدهما وهو الأقوى عسكرياً يكون مهاجماً، فيما الطرف الآخر، الأقل قدرة عسكرية، يكون مدافعاً، ويتمتع كل طرف بمزايا وعيوب في الحرب، يجب أن تكون محسوبة بدقة، وإلا فإن النتائج تكون عكسية، فالطرف المهاجم يعتمد على الضربة الأولى لتحقيق انهيار الخصم، لأنه بغير ذلك تنقلب المعادلة، ومع الرد الأول، يصبح الطرف الأول مدافعاً، والثاني مهاجماً، أي أنه في حالة العدوان على إيران كانت معظم أهداف الحرب بالنسبة لأميركا وإسرائيل تعتمد على حجم الرد الإيراني.
وبقدر ما كانت الضربة الأولى قوية ومدمرة، بعد أن أعد لها منذ زمن، كان الرد الإيراني قوياً وسريعاً، فقد جاء بعد ساعتين، وشمل كل القواعد الأميركية في الخليج، ومعظم الجغرافيا الإسرائيلية، وقد تبدد مع سرعته وقوته وحجمه هدف إسقاط النظام، رغم اغتيال المرشد، هكذا يمكن القول: إن سقف أهداف ترامب - نتنياهو قد هبط وصار دون هذا الهدف، وبالفعل توقف الطرفان منذ الأسبوع الأول عن الحديث عن إطلاق التظاهرات المضادة للنظام، وعن منح رضا بهلوي منصات الإعلام الأميركي للحديث عن العودة إلى نظام الشاه، ثم تواصلت المعركة في الأسبوع الثاني وفق وتيرة تبادل القصف والقصف المضاد، بينما بقي الصمت السياسي سيد الموقف، لا تقطعه سوى تغريدات ترامب، التي يدعي فيها أنه مسح إيران من على الخارطة، وأنهم يرغبون في التفاوض بينما هو لا يريده، وأنه لا يقبل سوي بالاستسلام التام.
وفي تلك الفترة ترافق القصف الجوي مع الحديث عن الغزو البري لتغيير النظام، وتكفيك الدولة، وكان الحديث يدور عن المناطق المحتملة لشن الغزو البري، وكان محوره يدور حول غزو أميركي كردي مشترك من جنوب غربي إيران، حيث القوة الكردية الانفصالية، لكن تبين عدم جدوى ذلك الأمر، إن كان من جهة الكرد أنفسهم، أو من الجانب الأميركي المثقلة ذاكرته بما جرى لقواته في أفغانستان والعراق وفيتنام، فكان ذلك سبباً في طي الفكرة ونسيانها، ثم مع دخول الأسبوع الثالث للحرب، بدا أن إيران صامدة، رغم تنفيذ أكثر من أحد عشر ألف غارة أميركية إسرائيلية، وهي تواصل إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وكان من شأن فتح جبهة الإسناد في لبنان أن شكلت ضغطاً إضافياً على إسرائيل، بحيث لم تعد الحرب عبارة عن حلبة ملاكمة، أحد طرفيها يواصل توجيه الضربات، فيما الآخر يتلقى الضربات فقط، أي أن الحرب باتت تحدث دماراً ضاغطاً ليس في القواعد العسكرية الأميركية في الخليج وحسب، بل في داخل إسرائيل أيضاً.
هناك حديث كثير لا ينتهي حتى عن الضربة الأولى والرد عليها، ولماذا كان الرد موجعاً أكثر في الخليج، ذلك أن أميركا اتبعت إستراتيجية عسكرية، جوهرها ترجمة أولوياتها لحماية إسرائيل عن حلفائها في الخليج، بل عن قواعدها العسكرية، معتقدة أن إيران لن تجرؤ على مهاجمة قواعدها في تلك الدول، خشية أن يكون ذلك سبباً في دخول تلك الدول الحرب ضدها، وفي السياق صار مضيق هرمز في وسط لهب الحرب، فوجدت إيران فرصتها لممارسة ضغط إضافي على العدو، من خلال الزج بالمتضررين إن كانوا هؤلاء في الخليج، أو أولئك في شرق آسيا وفي أوروبا، من مصدري ومستوردي الطاقة الخليجية من نفط وغاز، وحتى من التبادل التجاري بين الشرق والغرب، وهكذا بدأت أسعار الطاقة ترتفع، لتأخذ الحرب بعداً إقليمياً وعالمياً، بعد أقل من أسبوعين على اندلاعها.
هكذا تحقق ما حذرت منه إيران، من أن الحرب في حال أعلنها ترامب بتحريض من نتنياهو، ستكون حرباً إقليمية عسكرية - اقتصادية تشتعل في كل الشرق الأوسط، من جهة، ومن جهة ثانية، ستحرق النظام العالمي، على الصعيد الاقتصادي، على الأقل، وهذا ما ظهر فعلياً من خلال الأرقام، بحيث ارتفع سعر برميل النفط من نحو 60 دولاراً للبرميل الواحد إلى أكثر من 110 دولارات، أي أن ثمنه قد تضاعف، وهذا يعني تضخماً هائلاً في الاقتصاد العالمي، يصل لأميركا نفسها باعتبارها واحدة من أهم دول العالم كقوة شرائية، تستهلك كل ما يحتاجه شعبها من سلع مختلفة بما فيها الملابس من شرق آسيا، لهذا السبب بالتحديد، بدأ ترامب تحت الضغط الناجم عن تحكم إيران بمضيق هرمز، بالتفكير فوراً بفتحه رغم أنف إيران، مرة من خلال فكرة مرافقة القطع الحربية لناقلات النفط والسفن التجارية، ومرة أخرى من خلال تشكيل قوة عسكرية، حيث توجه للناتو، وحتى للصين واليابان وكوريا، أي للدول التي تتأثر اقتصاداتها بحالة المضيق، لكنه وجد الأبواب كلها مغلقة، لأن أحداً في العالم ليس أحمق مثله، يغامر دون حسابات دقيقة، أو أنه منقاد لنتنياهو بشكل أعمى.
بعد ذلك، صار ترامب يفكر في أحد أمرين، كلاهما يضع حداً سريعاً للحرب، الأول أن يلقي بكل ما لديه من قوة خاصة، قوامها المارينز والفرقة 82 أو قوات التدخل السريع، لاحتلال جزر خرج، لارك، وقشم، وفي نفس الوقت، بدأ يمنح إيران المهلة تلو الأخرى، الأولى كانت مدتها خمسة أيام، هدد فيها إيران بفتح مضيق هرمز دون قيد أو شرط، وإلا قام باستهداف كل منشآت الطاقة الإيرانية، وحين ردت إيران بأنها ستقوم بالرد بالمثل، أي باستهداف كل منشآت الطاقة في إسرائيل والخليج، وعلى المارينز بدخول الحوثي ميدان الحرب، بما يعنيه ذلك من إغلاق باب المندب، حتى في حال ارتخاء قبضة إيران عن هرمز الذي سمّاه المهرج "مضيق ترامب"، وبعد انتهاء المهلة، دفع بمهلة أخرى مدتها عشرة أيام تنتهي بعد ستة أيام، في السادس من نيسان، وذلك لمنح "المفاوضات" فرصة، مع تحديده سقفها أو إطارها عبر الخمسة عشر بنداً التي تضمنتها رسالته لإيران عبر الوسيط الباكستاني.
ها هي الحرب وقد دخلت شهرها الثاني، ومعها المرحلة الثالثة، وهي مرحلة التوازن، من خلال تجاوز فترة الصمود، والقصف بالقصف، واستهداف المنشآت بالمنشآت المناظرة، إلى مرحلة الرد على الشروط بالشروط، فإذا كانت بنود ترامب الخمسة عشر تعتبر وثيقة استسلام لإيران، فإن رد إيران بشروطها التسعة التي نشرتها جريدة "كيهان" هي بمثابة وثيقة استلام أميركي إسرائيلي، فهي تتضمن إعلاناً رسمياً بوقف الحرب، وانسحاب القواعد الأميركية (بعد أن تدمرت فعلاً) من غرب آسيا، وتطبيق النظام الاقتصادي بسيادة إيران على مضيق هرمز، ووقف الحرب عن كل محاور المقاومة، ورفع العقوبات الأميركية والأممية، والإفراج الفوري عن أصولها المجمدة، ودفع تعويضات أميركية إسرائيلية، وحتى اعترافاً إماراتياً بسيادة إيران على الجزر الثلاث المتنازع عليها بين الدولتين، وقد ترافق ذلك مع إعلان إيراني بأن الجمهورية الإسلامية تفكر في الانسحاب من معاهدة عدم انتشار السلاح النووي، بما يلمح له ذلك من امتلاك للسلاح النووي.
بالطبع لا يمكن النظر إلى ما أعلنته "كيهان" من شروط إيرانية لوقف الحرب، على أنه الصورة التي ستنتهي عليها الحرب، لكن تكمن أهميته في أنه يشكل حائط صد للبنود الأميركية الخمسة عشر، حتى لا يجد المفاوض الإيراني نفسه مدافعاً ومضطراً للرد على كل بند أميركي، محاولاً أن يهبط بسقفه فقط، وكذلك في أنها تشكل إطاراً تفاوضياً، يدل على أن إيران باتت تقارع أميركا في ساحة التفاوض، كما تقارعها وإسرائيل باقتدار في ميدان القتال.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
