كشفت الحرب الدائرة على إيران أن حلف الناتو لم يعد قادراً على أن يشكل تحالفاً عسكرياً يدافع عبره الأعضاء عن بعضهم البعض. وأكثر من أي وقت مضى، فإن الحلف بات مجرد هياكل وقواعد وإستراتيجيات لا تتم ترجمتها على أرض الواقع. وبالنسبة للولايات المتحدة، القوة الأولى في الحلف، فإن رفض الدول الأعضاء الدخول معها في حربها على إيران يعني أن فكرة الدفاع المشترك بين ضفتَي الأطلسي لم تعد قائمة، وأن الحلف ليس أكثر من مخلفات الماضي. وإذا كان مثل هذا التفكير بدأ يساور الكثير من الإستراتيجيين الأميركيين منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، فإن الشخص الأكثر إثارة للنقاش حول عدم الحاجة للحلف هو الرئيس دونالد ترامب.
قبل الحرب على إيران، فإن ترامب، وحتى في ولايته الأولى، أثار فكرة عدم تكافؤ الصرف على الحلف بين واشنطن وأوروبا. فالولايات المتحدة تدفع الكثير مقارنة بحاجتها الحقيقية للحلف، فيما أوروبا هي المستفيدة، وفق فهم ترامب للحلف وقواعده، فهو يحميها من أعدائها التاريخيين خاصة في موسكو ولا تدفع الكثير. واشنطن تدفع من أجل حماية أوروبا.. هكذا يفهم ترامب الأمر. لذلك فإن ترامب طالب دائماً برفع مساهمة أوروبا في مصاريف الحلف وزيادة صرفها على التسلح، فهي تنعم بالرخاء الاقتصادي الذي توفره الحماية العسكرية التي يوفرها وجود الحلف على أراضيها. أوروبا تستقر اقتصادياً لأن ثمة حلفاً قوياً يحمي أراضيها.
وهو تفكير لا تشاطره بروكسل وعواصم الاتحاد الأوروبي الكبرى مع واشنطن، فالرخاء الاقتصادي هو نتيجة سياسات اقتصادية وتجارية واتفاقيات مشتركة ساهمت في تعزيز وتوفير التربة الخصبة لتطوير الصناعة الحديثة والاستثمار واقتصاديات الدول المختلفة. إن عضوية الاتحاد الأوروبي نفسها تعتبر دخولاً لعالم الثراء والاقتصاد المستقر. وطالما تجنبت أوروبا الدخول في حروب، فإن الازدهار الاقتصادي سيواصل صعوده وحضوره. وليست فكرة تأسيس التكامل الأوروبي في خمسينيات القرن الماضي، عقب الحرب العالمية الثانية، إلا فكرة اقتصادية في أساسها عملت على تحييد إنتاج الحديد والفحم (عناصر الصناعات العسكرية في ذلك الوقع) من حيز للتنافس إلى منطقة للتعاون والتنسيق. وعليه فإن حلف الناتو ليس سبباً للرخاء والاستقرار الأوروبي. مثل هذا النقاش بات أكثر وضوحاً مع الوقت.
فتشكيل حلف الناتو كان ضرورة من ضروريات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة مع تبلور ملامح الكتلة الشرقية بقيادة موسكو؛ إذ إن أوروبا المنهكة من حربين مدمرتين وجدت نفسها أمام عدو أيديولوجي يسيطر على نصفها الشرقي. والأهم ربما أن هذا العدو لديه تطلعات توسعية ويسعى لتعميم الأفكار الشيوعية. كان وجود الحلف بقدر ما هو حاجة لتأكيد الهيمنة والانتصار الأميركيين حاجة أوروبا أيضاً من أجل الشعور بالأمان والاستقرار. ظهر حلف الناتو، وظهر حلف وارسو المقابل الذي كان عبارة عن تكتل عسكري للدول الشرقية بقيادة موسكو. ومع تنفيذ مشروع مارشال الذي أعاد بناء أوروبا بأموال أميركية، فإن وجود الحلف شكل ضمانة عسكرية ومظلة أمنية لازدهار أوروبا.
بالطبع لم يكن لأوروبا أن تندفع مهرولة لتدخل الحرب مع إيران؛ فهي تعرف أن هذه حرب ترامب وليست حرب الغرب، حرب أيديولوجية مدفوعة بزخم اللوبي الصهيوني الديني الذي يتحكم بإدارته. أوروبا التي بنت سياساتها طوال سبعين عاماً على فكرة تجنب الحرب لم ترَ فيما يفعله ترامب دفاعاً عن القيم الأوروبية ولا حماية للحضارة الغربية، بل رأت فيه وبصراحة، كما عبّر عن ذلك الكثير من رؤساء حكوماتها وقادتها، انتهاكاً للقانون الدولي، ومساساً بالعلاقة التي تربط الدول فيما بينها. القصة لم تكن الناتو، بل كانت توجهات أوروبا نفسها. ولعل رد رئيس الوزراء الأسباني حول وجود القواعد من أجل الدفاع والحاجة المشتركين يعكس فهم أوروبا أن حرب ترامب هي حربه وحده.
بالنسبة لترامب، فإن أوروبا تخلت عن حليفتها الأولى، التي حمتها من السقوط تحت براثن هتلر أو في قبضة الشيوعية والستالينية، حتى أصول حلف الناتو لم يكن يمكن للولايات المتحدة توظيفها بطريقة كاملة من أجل التسريع في انهيار إيران. من غير المؤكد أن ترامب كان مقتنعاً منذ البداية بأن الناتو سيكون حليفاً قوياً في الحرب، وأن أوروبا ستهب من أجل مساعدة واشنطن في الحرب؛ فالرجل منذ البداية عبّر عن عدم الحاجة للناتو في الإستراتيجية العسكرية الأميركية، لكنه بالطبع كان سيكون أكثر سعادة لو دخلت أوروبا الحرب انطلاقاً من فهمهما لطبيعة عمل الحلف.
هل ثمة حاجة لوجود الحلف؟ أقصد حاجة عسكرية. من الواضح أنه بالنسبة للكثيرين فإن الحاجة لوجوده قد انتفت، وإن الظروف التي دفعت لتأسيسه قد انتهت، وإن المخاطر التي تم تشكيله من أجل مجابهتها لم تعد موجودة. بل إن معظم الأعضاء السابقين في حلف وارسو من دول وسط وشرق أوروبا صاروا أعضاءً في حلف الناتو. وإستراتيجية الحلف تم تغييرها وهيكلتها بشكل كبير خلال قمة «براغ» وهي أول قمة في عاصمة كانت حلفاً في وارسو سابقاً. تم تغيير كل شيء. ورغم المطالب الأميركية المتواصلة بزيادة الإنفاق العسكري إلا أن أوروبا الاقتصادية لم تسعَ لذلك. بالمقابل، فإن السعي الأوروبي للوصول لسياسة دفاعية وأمنية مشتركة ظل محدود النتائج. تم إطلاق مثل هذه السياسة مبكراً خلال اتفاقية ماستريخت، لكن حتى اللحظة ظلت هذه السياسات المشتركة عاجزة عن أن تكون تجسيداً حقيقاً لهاجس دفاعي مشترك. وكما تعثر تطوير سياسة خارجية مشتركة، فإن السياسة الدفاعية أيضاً ظلت تسير بحذر دون أن تقترب من الحلم الحقيقي بوجود جيش أوروبا موحد.
يظل السؤال: هل سينتهي فعلاً حلف الناتو؟ بالطبع يمكن تخيّل صعوبة ذلك، ويمكن تخيّل أن ما سيتم هو التكيف مع التغيرات والحفاظ على أصول وهياكل الحلف من أجل وظائف أخرى. صحيح أن أوروبا لن تدخل في حروب مستقبلية، ولكن يظل التهديد الروسي قائماً ويشكل هاجساً بالنسبة لبعض الدول، كما أن حقيقة أن الحلف يظل البصمة الأكثر بروزاً حول الهواجس الغربية المشتركة، ورغبة أميركا بعيداً عن تحفظات ترامب في الحفاظ على خيط من المصالح الأمنية مع القارة العجوز، ودافعاً للبحث عن طريقة للحفاظ عليه. ولكن الأهم أن ثمة تغيرات قادمة حول دوره وهياكله ستكون مثار نقاش جدي في المستقبل القريب.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
