بينما تلاحق الصواريخ الجبهة الداخلية الإسرائيلية، تلاحق الجرافات حدود المنطقة لترسمها من جديد بالدم والتهجير. وتحت غطاء دخان الحروب المشتعلة من قطاع غزة إلى جنوب لبنان، وصولاً إلى تلال الضفة والجولان، تمارس حكومة الاحتلال ما هو أبعد من الدفاع الأمني، إنها عقيدة الضم الزاحف.

لم تكن ليلة سقوط الصواريخ الإيرانية فوق "رمات غان" مجرد جولة أخرى من تبادل النار، بل كانت لحظة كاشفة لواقع معقد تعيشه الجبهة الداخلية الإسرائيلية، العالقة بين مطرقة الاستنزاف وسندان التضليل الاستخباري. فبينما كان الدخان يتصاعد من وسط إسرائيل وقذائف حزب الله تنهال في الشمال بتنسيق يشي بترميم سريع لقدرات التنظيم، كانت هناك حرب أخرى تدور في الظل؛ حرب لا تستخدم الصواريخ فحسب، بل تستخدم الجرافات، وأوامر الإخلاء، وسياسة "الأمر الواقع" لإعادة رسم خرائط المنطقة.

ما يحدث اليوم يتجاوز كونه رداً أمنياً على أحداث السابع من أكتوبر. نحن أمام عقيدة سياسية وعسكرية متبلورة تتبناها حكومة الاحتلال، يمكن تسميتها بـ "عقيدة التوسع بالممارسة"، وهي تقوم على قناعة يمينية مفادها أن الردع التكنولوجي قد انهار، وأن الجغرافيا وحدها هي ما سيضمن الأمن المستقبلي، حتى لو كان ثمن ذلك التطهير العرقي واقتلاع البشر وتغيير هوية الأرض.
في جنوب لبنان، يبدو المشهد سريالياً؛ فبينما يكتنف الغموض العمليات البرية، تبرز على السطح استراتيجية الأرض المحروقة. 

الهدف المعلن هو إبعاد حزب الله خلف الليطاني، لكن الممارسة الفعلية تشي برغبة في خلق منطقة عازلة خالية من سكانها، لتحويل القرى الحدودية إلى نقاط ارتكاز عسكرية دائمة. ولم يتردد وزير الدفاع يسرائيل كاتس في التلويح بضم أراضٍ لبنانية، في سابقة تضرب عرض الحائط بكل الخطوط الحمراء الدولية، وكأن العقاب على عدم نزع السلاح هو مصادرة الجغرافيا.

هذا السيناريو اللبناني ليس معزولاً عما يجري في قطاع غزة، حيث تحول القطاع إلى مختبر لسياسات التقسيم والتهجير. السيطرة على نحو نصف مساحة القطاع تحت مسمى مناطق عازلة، ليست إجراءً مؤقتاً، بل هي قضم منهجي للعمق الجغرافي الفلسطيني. وفي الضفة الغربية، تجري نكبة صامتة، حيث يتشارك الجيش والمستوطنون في طرد التجمعات البدوية والسيطرة على أراضي الرعي، لبناء واقع استيطاني يجعل من فكرة الدولة الفلسطينية مجرد ذكرى تاريخية.

لكن السؤال الكبير: هل تمتلك إسرائيل نفس العبور للاستمرار في السيطرة على هذه المساحات؟

من الناحية التقنية، قد يوفر التفوق التكنولوجي والغطاء السياسي الأمريكي نوعاً من الاستدامة المؤقتة، لكن التاريخ يقول عكس ذلك. إن الإمساك بزمام الأرض في بيئة معادية هو استنزاف لا ينتهي للموارد البشرية والاقتصادية، يحول الجنود إلى أهداف ثابتة في حرب عصابات لا تعرف القواعد. كما أن العزلة الدولية التي قد تترتب على سياسات الضم العلنية قد تجعل من إسرائيل دولة منبوذة قانونياً، حتى لو حظيت بدعم واشنطن.

إن إسرائيل تقامر اليوم بالجغرافيا لترميم أمنٍ مفقود، واضعةً نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما ضمٌّ يقود إلى انفجار إقليمي شامل، أو استنزافٌ ينتهي بانسحاب اضطراري يعيد مشهد عام 2000. وبين طموحات التوسع وحتمية الصمود الميداني، تبقى هذه الخرائط المعمدة بالدم مجرد حقائق مؤقتة معلقة على حافة الهاوية، في انتظار أن يكتب التاريخ كلمته الأخيرة حول جدوى المقامرة بالأرض مقابل أمنٍ لن تمنحه الجغرافيا لمن يزرعها بالتهجير.

والأخطر من ذلك كله هو الموقف العربي من هذا التوسع. فالمشروع الإسرائيلي لا يطال لبنان والضفة وغزة وسوريا فحسب، بل يمتد شرقاً وغرباً في محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة. 
ومع ذلك يبدو الموقف العربي مرتبكاً ومتردداً أمام هذه الأطماع، في ظل شعور متزايد بالخذلان من الموقف الأميركي، خصوصاً بعد الدعم الذي وفره الرئيس دونالد ترامب لحكومة بنيامين نتنياهو ، والذي منحها قدراً كبيراً من الغطرسة السياسية والعسكرية. 

فقد بدا وكأن واشنطن أطلقت يد نتنياهو في توسيع نطاق المواجهات وإعادة رسم الواقع الإقليمي بالقوة، على حساب أمن دول المنطقة، بما فيها دول الخليج ومصر والأردن. ومع ذلك ما تزال عواصم عربية عديدة تراهن على الدور الأميركي، رغم التجارب المتكررة التي أظهرت أن هذه المظلة السياسية لم تكن يوماً كابحاً حقيقياً للمشروع التوسعي الإسرائيلي، حتى في ظل اتفاقيات السلام والاتفاقيات الإبراهيمية. وهكذا يجد العالم العربي نفسه أمام واقع جديد تُرسم حدوده بالنار، بينما ما تزال قرارات المواجهة مؤجلة في انتظار توازنات قد لا تأتي، فالخرائط التي تُرسم بالنار قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها غالباً ما تتحول في التاريخ إلى خطوط مواجهة جديدة لا إلى حدود سلام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد