في أسبوعها الثالث لم تشهد الحرب الأمريكية/الإسرائيلية ما يشير إلى أنها ستنتهي قريباً، فبعد أن تأكد بعد مضي أسبوعين على اندلاعها بأنها لم تعد حرباً خاطفة، تنتهي بنتيجة النصر المؤكد للمعتدي الأمريكي/الإسرائيلي، بات من شبه المؤكد، وقد دخلت أسبوعها الرابع بأنها تسير على طريق أن تكون حرب استنزاف، تشهد يومياً قصفاً أمريكياً إسرائيلياً للمواقع الإيرانية المختلفة، باستخدام سلاح الجو من الطائرات، مقابل قصف مضاد لإسرائيل وللقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط باستخدام الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ومع مرور الوقت يصبح الأمر لصالح إيران، هذا إذا ما بقي الحال هكذا سجالاً متواتراً مع قصف جوي وقصف مضاد، لكن مع إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والبواخر المرتبطة بأمريكا وإسرائيل، وفي انتظار ظهور الاحتجاج الداخلي في كلا البلدين، ضد حرب لم تكن وفق حسابات دقيقة، بأهداف غامضة، يكون الأمر لصالح إيران بشكل مرجح، لذا فقد سارعت إسرائيل خلال هذا الأسبوع للقيام بحدث مهمته الأساسية، أن يُبقي على نار الحرب متأججة.
لقد نال الإحباط بعد تزايد عدم دقة التقديرات البيت الأبيض ورئيسه دونالد ترامب، الذي اضطر للدفاع عن قراره في التورط بالحرب، بالإعلان عن انتصاره الساحق، أكثر من مرة، وأنه دمر 90-95% من قدرات إيران الصاروخية، ليأتي الرد عملياً بقصف إسرائيل والقواعد الأمريكية بالصواريخ، بل وباستخدام صواريخ جديدة، بحيث تفاجئ إيران باستمرار المراقبين وتزيد من التأكيد على أن الحسابات الأمريكية والإسرائيلية حول قوتها لم تكن دقيقة، بل لم تكن حتى قريبة كثيراً من الحقيقة. المهم أن إسرائيل خلال الأسبوع الثالث، ولتمنع أن يدفع الإحباط بترامب للتوقف، حيث بدونه سيُجبر نتنياهو على التوقف أيضاً، قامت باستخدام نقطة قوتها الوحيدة وهي الاستخبارات، واغتالت رجل الأمن القوي علي لاريجاني، وهي تفعل هذا الأمر باستمرار على الجبهة اللبنانية، وصحيح أن تحقيق النجاحات المتتالية على صعيد الاغتيالات يؤدي وظيفة معنوية، لكنه لا يحقق نصراً ولا يقلب موازين الحرب، ولو قمنا بإحصاء ما أقدمت عليه إسرائيل من عمليات اغتيال بحق الفلسطينيين واللبنانيين والعرب والإيرانيين، لوجدنا بأن القائمة تشمل مئات وربما آلاف الشخصيات، لكن ذلك لم يؤدِ لا إلى إجهاض المقاومة الفلسطينية ولا وقف الانتفاضة، ولا أدى إلى أن تربح إسرائيل حربها الوجودية، التي تقوم هذه المرة بنفسها ب فتح أبواب جهنم عليها، بإعلانها سعيها لإقامة إسرائيل الكبرى.
وإسرائيل الكبرى هذه وضعت ليس أقل من عشر دول شرق أوسطية ضدها، وضد حربها، بل ولأن إسرائيل لم تجد من طريقة لتحقيق هذا الهدف، سوى الشراكة مع أمريكا في لحظة ما قبل سقوطها عن عرش نظامها العالمي، فإن المسعى الإسرائيلي هذا جعل من حربها هذه مشروعاً يدخل في صلب الصراع الدولي الاقتصادي والعسكري على النظام العالمي، وهكذا يمكن قراءة ما حدث حتى اليوم فقط، أي بعد عشرين يوماً من اندلاع الحرب، التي لو حقق فيها ترامب ما فعله في فنزويلا، لكان يمكن القول، بأنه تم التقاط الثمرة بسرعة وبذكاء، لكن هكذا، فإن الأمر صار مختلفاً، فلم تعد الحرب تعني إيران وحسب، بل كل دول الشرق الأوسط التي يمكن اعتبار معظمها صديقة لأمريكا وليس بالضرورة لإسرائيل، لكنها لم تنخرط لا في الحرب بشكل مباشر، رغم محاولة ترامب ونتنياهو، ولا بشكل غير مباشر، بل هي وجدت نفسها تقف في مواجهة نتنياهو وإسرائيل في الضغط والضغط المضاد على ترامب، حيث فضلت كل دول الشرق الأوسط التوصل للحل الدبلوماسي، وسعت لمنع ترامب من شن الحرب.
ثم مع مرور الوقت، وبعد فشل أمريكا وإسرائيل معاً، في كسب الحرب بشكل سريع أو خاطف، بات تردد دول المنطقة أعلى، فلا أحد متأكد من قدرة أمريكا وإسرائيل على كسب الحرب، وهذا لا يمنع مخاوفها على مصالحها، التي ما زالت ترى بعد أن اتخذت موقف منع الحرب، في وقفها اليوم قبل الغد هو الموقف المناسب لها، وفي نفس الوقت بدأت تفكر في تشكيل تحالف خاص فيما بينها، بديلاً عن اعتمادها طوال عقود خلت على الحماية الأمريكية بعد أن تأكد لها بأن القواعد الأمريكية موجودة لحماية المصالح الأمريكية ولحماية إسرائيل وليس أحداً آخر، بل ولا حتى الدول التي تقيم هذه القواعد على أرضها، وهذا الأمر لم يقتصر فقط على دول الشرق الأوسط، بل شمل أيضاً الدول الأوروبية، ولعل ردود دول الخليج والدول الأوروبية ودول شرق آسيا على دعوة ترامب لتشكيل حلف عسكري للسيطرة على هرمز وباب المندب، وعملياً بحري العرب والأحمر، خير دليل على أن هذه الحرب، لم تكن تشبه ولا بأي حال من الأحوال غزو أمريكا لفنزويلا.
والشرق الأوسط بموقعه الجغرافي، ليس حديقة خلفية أمريكية كما هو حال أمريكا اللاتينية، فالحديث هنا ليس عن كوبا ولا فنزويلا، لكن عن موقع يعتبر شريان التجارة العالمية، كذلك عما يحتويه من منابع للطاقة، ولما يوجد فيه حالياً من مراكز رئيسية للتجارة العالمية، خاصة في دبي، التي تعتبر منصة توزيع لبضائع الشرق الذاهبة للأسواق الأوروبية، وكل هذا في جانب، بينما الجانب الأهم صار بعد الحرب التي ألقت بها أمريكا في عهد جو بايدن في وجه روسيا، لإقصائها عن الطريق الذي يفضي إلى النظام العالمي الجديد، ونقصد بذلك هذا الصراع المحموم بين أمريكا من جهة، والصين ومعها روسيا وإيران من جهة أخرى، على النظام العالمي، حيث أمريكا تحاول الإبقاء على نظامها العالمي الذي أقامته على أنقاض الحرب الباردة، بينما الصين تقود الكفاح من أجل تقويض ذلك النظام.
باتت هذه الصورة واضحة تماماً لكل الدنيا، لذلك يكون السؤال هو، هل حقاً ستسمح الصين لأمريكا وإسرائيل بسحق إيران وإلحاق الهزيمة بها، وذلك بإسقاط نظامها وإقامة نظام يتبع سياسياً واقتصادياً لأمريكا؟ ومن يسترجع ما كان يطلبه ترامب في المفاوضات الثنائية التي جرت قبل الحرب بأسابيع بالرعاية العُمانية، إن كان في مسقط أو جنيف، يدرك بأن أمريكا لم تنخدع تماماً بنتنياهو، ولا تحارب إيران من أجل إسرائيل فقط، ولعل مطالبة ترامب بنقل اليورانيوم الإيراني المخصب لأمريكا يلخص المطامع الأمريكية التي لا لبس فيها، والأهم هو بالطبع أن السيطرة الأمريكية على إيران تؤكد تحكمها بقبضة حديدية بالشرق الأوسط، بما فيه من نفط وغاز وقواعد تراقب روسيا والصين، وتتحكم بالتجارة العالمية، بما يعني بأن أمريكا لو تحقق لها هذا، فإنها ستبقي على نظامها العالمي عقوداً أخرى.
هذا البعد الدولي للحرب، مع بعدها الإقليمي الذي يمنع على الأقل عدم انخراط دول أخرى غير أمريكا وإسرائيل فيها، على عكس ما حدث في حروب الخليج الثلاث السابقة، وذلك على سبيل التذكر وحسب، لا يفسر مواقف الدول التي بدت في أغلبيتها الساحقة محايدة، رغم تضرر دول الخليج من القصف الإيراني، ورغم تضرر الكثير من الدول من السيطرة الإيرانية على هرمز، ولعل أوضح دليل على وجود التحالف الإيراني الصيني الروسي، ضد الهيمنة الأمريكية هو أن إيران بقدر ما تقدم أداءً عسكرياً جيداً، في مواجهة أعتى آلة حرب عالمية، هو أداؤها السياسي، فهي قصرت منع المرور عبر هرمز على البواخر الأمريكية الإسرائيلية، والأهم أيضاً مطالبة ناقلات النفط والبواخر بدفع عمولة المرور باليوان الصيني، وهذا يمس عصب النظام العالمي الأمريكي في الصميم، والذي يعتمد على اعتماد الدولار كعملة تداول عالمي.
يمكن الآن القول بأن الحرب قد تتوقف فجأة بنتيجة لا غالب ولا مغلوب، وأن من سيبادر لهذا هو ترامب نفسه، كما فعل مع الحوثي في العام الماضي، وكما فعل مع إيران في حزيران الماضي، وفرض على إسرائيل وقف حرب الاثني عشر يوماً، ويبدو بأن أسابيع قليلة إضافية بهذه الوتيرة من الحرب، سترجح أن يقوم ترامب بإعلان وقفها فجأة، وله أن يدّعي ما شاء من تحقيق أهدافها بتدمير القوة العسكرية الإيرانية، وهو قال هذا بعد «مطرقة منتصف الليل» في حزيران من العام الماضي، لكن مصلحة الصين، هي أن تتواصل حرب الاستنزاف، حتى تنهك أمريكا ومعها إسرائيل تماماً، ولا يقتصر الأمر، على إجهاض مشروع إسرائيل الكبرى وحسب، ولا على انكفاء مؤكد للنفوذ الأمريكي العالمي، بل بما يؤدي إلى إسقاط اليمين المتطرف الإسرائيلي من الحكم، وإسقاط الجمهوريين وتحويل ما تبقى من إدارة ترامب لإدارة عرجاء، وبهذا فإن الباب سينفتح على مصراعيه أمام نظام عالمي جديد متعدد القوى، ومع أن الأمر لن يكون غداً، فإن الصراع يبقى قائماً سنينَ أخرى، ومن أساء التقدير، هو من اعتقد بأنه يمكنه بانقلاب عسكري عالمي، أن يحسم الصراع الدولي.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
