نعم، الحياة لم تعد تشبه نفسها وليست هي التي كانت، وأنا لم أعد أنا لكثرة ما فقدت؛ بعد أن تساقط كلُّ مَن أُحب أمامي في هذه الحرب، تاركين القلب فارغاً إلا من الذكريات التي تزور كلسعة أفعى. أدركتُ كيف يعيش المرء حين تصفرُّ الحياة كخريف بلا ألوان ولا مطر، عاريةً من رائحة عشبها ذات ربيع، ولا سماء تعشش فيها أحلام صيف، تمضي بلا هدف ولا أمل بالغد.
أعترف أنني أكثر هشاشةً مما كنتُ أعتقد عن نفسي، فقد كسرني الفقد "كجرة الماء الصغيرة" كما يقول شاعرنا الكبير. أتطلع حولي وأسأل: أينهم كلهم؟ فلم يبقَ من الأهل والأصدقاء سوى القليل جداً. انتهى مجتمعي الصغير ودائرتي التي كانت تحيطني بالحياة، وكنت أعيرها ما فاض من الحب؛ أولئك الذين حجزت لهم قلبي بيوتاً غادروا جميعاً ليتركوه للجفاف.
كنتُ أعتقد أننا -نحن الذين نكتب في السياسة- قد تبلدت مشاعرنا، فالحروب بالنسبة لنا مجرد أحداث نبحث ما بعدها، والضحايا مجرد أرقام تتحول لأسهم في بورصة السياسة. هذا كان شعوري قبل الحرب. مرةً قلت لصديقي الشاعر أحمد يعقوب -الذي وجدته ذات صباح يتأبط جريدته على الرصيف المقابل لبنايات المقوسي التي تحولت لركام، ليقله في سيارتي حين بدأ حديثه عن ترجمات لوركا شاعر إسبانيا الكبير-: "أنا أغبطك يا صديقي، أنت تكتب عن الوردة وعن العصفور وعن رائحة الحب، وعن ابتسامة الفتيات وعن الحلم والخيال العاطفي، أما نحن الذين ابتلينا بالكتابة عن السياسة فقد فقدنا أحاسيسنا، ولم يعد الموت سوى أرقام بالنسبة لنا واستثمار على طاولة المفاوضات". لكن في هذه الحرب، وأمام حجم خساراتي، اكتشفت أنني أكثر ضعفاً من الشعراء.. فانكسرت.
في هذه الحرب، اكتشفت أن مستوى مَن كان يقرر مصيرنا أقل كثيراً من "روضة أطفال"؛ يعتقد أن إدارة الشعوب مجرد لعبة يمكن أن يجرب بها هواياته الطفولية، قبل أن يكسرنا جميعاً أفراداً وجماعات، يكسرنا سياسياً وعاطفياً وإنسانياً لمجرد أنه كان يحلم، فإذ به يأخذنا إلى مغامرة تفوق قدرتنا على الفهم، وتحمل العواقب، ونسيان الفداحة لأجيال قادمة.
فهل أنسى أقرب من أحببت ورافقت وسامرت وعانقت وشاركت في التفاصيل الصغيرة؟ يوجعني كل شيء كل مساء؛ قبل الخلود للنوم أمرُّ على صورهم وأصواتهم وملامحهم المطبوعة في الذاكرة، وكل صباح حين أفيق معتقداً أنني سأهاتفهم لأسمع صوتهم، ولم يقنعني الزمن -ككل الضعفاء- أن الأمر انتهى، وأن صورهم غابت للأبد... لست مؤهلاً بعد لفهم ذلك.
لست معتاداً أن أكتب عني، ولا عن ذكرياتي ولا آلامي وأسرتي، والفجائع التي حاصرت الحياة وجروح الروح؛ فهذه أمور لا علاقة لها بقارئ لا ذنب له كي يستمع لبكائيات أصبحت جزءاً من وجع القلب. لكنني أشعر أن من حق كل هؤلاء الذين تمت المغامرة بهم أن أدلق حزني على صفحات الجريدة؛ لأن الحزن الشخصي الخاص اختلط بالعام وبالوطني، فكل فلسطيني من غزة أصيب بضربة تسببت في انكسار الروح لن يشفى منها للأبد... وللأبد.
هذا ما كتبه القدر حين استدعى أكثرنا بساطةً ليقرر استدراج آلة الإعدام الجماعي، وجر الجيش الفاشي ليسحقنا، عندما اعتقد أن إدارة الشعوب لا تتطلب أكثر من شعارين ومقولتين، تكفي لتغيير مسار التاريخ، قبل أن يكتشف أن هناك بعضاً منا يجب الحذر من السماح له بالعمل السياسي؛ لأنه يشكل خطورةً لا تقل عن خطورة إسرائيل، بل يفرش لها طريق موتنا.
تحولت الحياة إلى صور معلقة على جدار الذاكرة النازفة، حنيناً لكل من كانت أنفاسهم ترش الشوارع بماء الورد، ومن كانوا عالماً لا يتوقف عن الحب في شوارع لم يعد بها سوى الحنين لماضٍ كان بالأمس مجرد حاضر ينسلُّ من بيننا، قبل أن يأخذ أجمل ما فينا.
أقول، قد تكون في ذلك حكمة حتى لا نرى نفس الأماكن يتيمة ممن اعتدنا أنهم جزء من المكان. ظل السؤال الحائر: كيف يستمر بالحياة من فقدوا الأبناء والأحبة؟ كيف يأكلون ويشربون ويمشون في الشوارع وكيف يبتسمون؟ إلى أن أصبت بوجع الفقد، لأُدرك أن كل الأصدقاء المكلومين وأهالي الشهداء كانوا مُرغمين على التعايش بروح منطفئة وقلوب مكسورة.
من عائلتي لأبي (عطا الله) فقدت كثيرين، ومن عائلتي لأمي (عكاشة) فقدت أكثر من تبقى من الأحبة. أما الضربة الكبرى، فكانت فقدان 48 فرداً من عائلة زوجتي بضربة واحدة؛ الأب والأم والإخوة والأخوات والأحفاد، لتخرج زوجتي وحيدة في هذا العالم. في اللحظة التي سمعت فيها الخبر، أدركت أننا سنمضي العمر بمأتم مفتوح في البيت إلى أن يشاء الله. ليس لسبب سوى لأن من قرّر أن يصب جهله على شعبنا.... يا لهذا القدر!
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
