يأتي العيد هذا العام إلى غزة متعباً، قلقاً، مثقلاً بالحزن والذكريات المؤلمة، وكأنه يسير على أطراف الركام. لا أصوات زينة تملأ الشوارع، ولا صرخات الأطفال الفرحين بقدوم العيد وسط رقصاتهم في الشوارع. هذا العيد شهد ازدحاماً في الشوارع الرئيسية برغم كل شيء، تسير الناس في جماعات متكتلين بقصد البحث عن الذكريات؛ لا تظهر على وجوههم فرحة العيد، بل صمتٌ ثقيل يختلط بأنين الذاكرة المُحمل بالفقد.
يأتي العيد بعد ثلاثين شهراً من الإبادة الوحشية المستمرة، وما زال الجرح مفتوحاً ينزف في القلوب قبل الأجساد. في كل بيت حكاية فقد وألم، وفي كل شارع أثر غيابات كبيرة. مدنٌ كانت تضج بالحياة الراقصة صارت أطلالاً، وأحياءٌ كانت تمتلئ بضحكات الأطفال ومراجيح العيد باتت شاهدة على الألم. أرقام الضحايا لم تعد مجرد أعداد في نشرات الأخبار، إنها وجوه وأسماء وذكريات وضحكات. فقد بلغت حصيلة المصابين المسجلين لدى وزارة الصحة في قطاع غزة 171,830 مصاباً حتى الحادي عشر من مارس 2026، فيما ارتفعت حصيلة الشهداء إلى 72,135 شهيداً، وما زالت آلاف الأرواح مفقودة تحت الأنقاض، تنتظر من يروي قصتها.
ومع هذا الألم، خلّفت الإبادة المتوحشة واقعاً قاسياً يثقل كاهل المجتمع الغزّي، فقد نتج عنه ما يقارب خمسين ألف معاق جديد حتى أواخر عام 2025، بينهم نحو واحد وعشرين ألف طفل أصيبوا بإعاقات دائمة منذ بدء الحرب. وفي كل يوم يضاف إلى هذه القائمة نحو ثلاثين فلسطينياً جديداً بإعاقات دائمة، وكأن الحرب لا تكتفي بسرقة الحياة، بل تمتد لتسرق القدرة على عيشها بكرامة.
أما النزوح، فقد صار الوجه الآخر للمعاناة القاسية؛ نحو مليون وتسعمائة ألف إلى مليوني فلسطيني نزحوا من بيوتهم، أي ما يقارب تسعين في المئة من سكان القطاع. يعيش معظمهم اليوم في مساحة ضيقة لا تتجاوز سبعة عشر في المئة من مساحة غزة، في أماكن تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. خيامٌ متلاصقة، ووجوهٌ مرهقة، وأحلامٌ مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
وسط هذا الواقع، يطل عيد الفطر على غزة حاملاً سؤالاً مؤلماً: كيف وبماذا نفرح؟ كيف يشتري الأب ملابس جديدة لأطفاله وهو بالكاد يستطيع تأمين رغيف الخبز؟ كيف تُعد الأم كعك العيد ولا يوجد في الخيمة ما يكفي من الطحين أو السكر؟ وكيف يطلب الطفل لعبة أو قطعة حلوى وهو يرى في عيون والديه عجزاً يسبق الكلمات؟
العيد في غزة لم يعد طقوساً من الملابس الجديدة والحلوى والزينة المتراقصة في الشوارع والحارات، بل صار امتحاناً قاسياً للقلوب الموجوعة أساساً. كثير من أرباب الأسر "رجال ونساء" يخفون حزنهم خلف ابتسامة متعبة، يحاولون أن يرسموا الفرح على وجوه أطفالهم ولو بكلمة طيبة أو لعبة بسيطة صنعت من بقايا الأشياء مثل زينة رمضان التي صنعوها من علب المشروبات الغازية الفارغة في بداية رمضان. وكثير من الأمهات يحاولن إخفاء الدموع وهنّ يرددن لأطفالهن أن العيد الحقيقي هو أن نبقى معاً، وأن ننجو من يوم آخر من هذه الإبادة البشعة.
وفي المخيمات ومراكز النزوح، تتشكل ملامح عيدٍ مختلف؛ أطفال يركضون بين الخيام، يصنعون من اللاشيء ألعابهم، ويحوّلون ما بقي من طفولتهم إلى مساحة صغيرة للفرح. هناك من يوزع قطعة حلوى واحدة على مجموعة من الأطفال، وهناك من يبتكر لعبة جماعية فقط ليزرع ضحكة في قلب صغير أنهكته الحرب بعد أن يعودوا من الطوابير الصباحية "الماء، المراحيض وطابور التكية"، ورغم كل ذلك يجتهد النازحون في صناعة الكعك والمعمول بأبسط المواد لرسم البهجة لعائلاتهم.
ورغم كل هذا، يبقى العيد في غزة شاهداً على شيء لا تستطيع الحرب كسره: إرادة الحياة. فحتى في أقسى الظروف، يصر الناس على أن يتبادلوا التهاني والضحكات، وأن يتذكروا أن العيد وعدٌ بالأمل، مهما تأخر. العيد في غزة ليس كما كان، لكنه أيضاً ليس غائباً تماماً. هو حاضر في دعاء أمٍ على باب خيمة، وفي ابتسامة طفلٍ حافي القدمين رغم الألم، وفي إصرار شعبٍ جريح على أن يبقى واقفاً رغم ضراوة الإبادة، منتظراً يوماً يعود فيه العيد كما يجب أن يكون: فرحاً بلا خوف، وبيوتاً بلا دمار، وأطفالاً يركضون في الشوارع لا بين الخيام. حتى ذلك اليوم، سيبقى العيد في غزة قصة صبرٍ طويلة، يكتبها الناس بقلوبهم، ويزينونها بالأمل… مهما كان الوجع كبيراً
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
