خلال الأيام القليلة التي تسبق عيد الفطر ، يحاول الغزيون أن يسرقوا لحظة فرح من بين أنقاض العام الطويل الممتلئ وجع وبعد ما يزيد عن ثلاثون شهراً من الإبادة. خرج الناس إلى الأسواق بأعداد كبيرة رغم ثقل الوجع والفقد، ليس لأن الحياة عادت، بل لأن القلب البشري يصرّ على أن يحتفظ بفسحة صغيرة من الأمل، حتى في أكثر اللحظات ظُلمة ومأساوية.
لكن غزة هذه الأيام تعيش مفارقة موجعة؛ فبينما يتصاعد القصف ويستمر نزيف الدم المتجدد لعشرات الشهداء، تمتلئ الأسواق بالناس، وتمتلئ رفوف بعض المتاجر بما لم يكن متاحاً طوال عامين من الإبادة والجوع: الشوكولاتة والسكاكر والبسكويت. وفي الوقت نفسه، تعاني المدينة نقصاً حاداً في أبسط مقومات الغذاء؛ الخضار، اللحوم، والزيت بعد قرار جيش الاحتلال اغراق السوق الغزية بالشكولاتة والسكاكر فقط!
إنها معادلة احتلالية ليست بالغريبة، أن تُخلط فيها الشوكولاتة بدم الغزيين. معادلة تبدو غير منطقية، بل تكاد تكون عبثية: كيلوغرام البندورة أغلى من كيلوغرام الشوكولاتة. وكأن الحياة اليومية تُدار وفق منطق مقلوب، يجعل الإنسان يعيش في دوامة لا تتوافق مع العقل ولا مع أبسط قواعد الاقتصاد المنهار أو الواقع المعيشي السيء.
في المراكز التجارية، حيث توزع بعض المؤسسات الدولية قسائم شرائية للنازحين، يقف الآباء والأمهات أمام الأرفف المزدحمة؛ هناك تتجاور السكاكر والبسكويت المستورد مع القليل من المواد الغذائية الأساسية، غير أن اليد، في كثير من الأحيان، تمتد أولاً نحو الشوكولاتة.
ليس لأن الناس نسوا الجوع، بل لأنهم عاشوه طويلاً.
عامان من الحرمان تركا أثراً عميقاً في الذاكرة الحسية للأطفال والكبار على حد سواء. فحين يجد الأب نفسه أخيراً قادراً على شراء قطعة شوكولاتة لطفله وللعائلة أجمع، فإن الأمر يتجاوز الطعام؛ إنه محاولة صغيرة لترميم روح مكسورة من أشهر طويلة من الحرمان، أو رسم ابتسامة عابرة على وجه طفل لم يعرف من طفولته سوى أصوات الطائرات والخيام وطوابير الانتظار.
هكذا تمضي العائلة النازحة في الممرات بين الرفوف، وكأنها تسير بين حاجتين متناقضتين: حاجة الجسد إلى الغذاء ليبقى، وحاجة القلب إلى الفرح ليستمتع بعد حرمان. وفي لحظة الاختيار، كثيراً ما ينتصر القلب، ولو مؤقتاً.
غزة اليوم ليست فقط مدينة تبحث عن الخبز وقت العيد، بل عن معنى للحياة وسط هذا الركام. فحين يشتري الأب كيساً من السكاكر أو الشوكولاتة بدلاً من المواد الغذائية، قد يبدو القرار غير عقلاني في حسابات الاقتصاد المنزلي وربما الاقتصاد الكُلي في وقت الأزمات، لكنه في حسابات الألم محاولة إنسانية بسيطة ليقول لأطفاله ولعائلته في مخيم النزوح: ما زال العيد ممكناً… ولو بطعم الشوكولاتة.
وهكذا تبقى غزة معلّقة بين نقيضين:
الدم الذي لا يتوقف، والشوكولاتة التي تحاول أن تخفف مرارته.
ففي هذه المدينة، حتى الفرح الصغير لا يأتي نقياً؛ بل يصل دائماً… مخلوطاً بطعم الحرب.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
