ما أرى أنّه بات محسوماً، ولم يعد في موضع الجدل والنقاش، هو الفشل البائن بينونة كبرى في هدف إسقاط النظام الإيراني، أو حتى زعزعته، بل بات محسوماً، أيضاً، أن القدرات الإيرانية أكبر بكثير من كل الادّعاءات التي يواصل رئيس أميركا دونالد ترامب «التلهّي» بها في وسائل الإعلام، وأكبر من كلّ خيبات الأمل التي بات عليها الإعلام الإسرائيلي. كما بات واضحاً ومحسوماً، أيضاً، أن القسم الأكبر والأهمّ من القواعد الأميركية في منطقة الخليج العربي، إمّا أنه تضرّر أو شلّ، كما بات محسوماً أنّ إيران تسيطر على مضيق هرمز، وبيدها أن تسيطر على باب المندب عندما تقرّر جماعة «أنصار الله» الحوثيّين اليمنية هذه السيطرة.
أمّا المراهنة على هبّة إيرانية ضدّ النظام، أو حتى المراهنة على «أكراد» إيران، أو أيّ جماعات مساندة لهم، فقد سقطت كلّها سقوطاً مدوّياً. والمراهنة على السيطرة الأميركية أو الإسرائيلية في تدخّل برّي هو الأمر الأكثر مغامرة فيما تبقّى من فصول هذه الحرب، وذلك بالنظر إلى احتمالات تحوّله إلى ورطة تفوق قدرات الإدارة الأميركية على خوضها في ظلّ معطيات الواقع الذي نراه.
ولا يوجد لدى ترامب حتى الآن أيّ نوع من أنواع الحلول الناجعة للأزمة الاقتصادية التي تقترب شيئاً فشيئاً من حافّة الخطر الشديد، والتي في حالة الوصول إلى الانفجار ستقلب المشهد العالمي كما المشهد الإقليمي رأساً على عقب.
وعلى العموم، فإنّنا ندخل الآن في منعرجات حادّة وخطرة من هذا الواقع، وقد تشتدّ وتيرة هذه الحرب كمّاً ونوعاً، وقد يشهد ميدان المعارك دخول أسلحة جديدة، وتكتيكات جديدة، وانخراطات جديدة لن تغيّر في توازن هذه الحرب ما لم يتمّ اللجوء إلى مقامرة استخدام السلاح النووي، وذلك لأن مثل هذا الاستخدام سيقلب المشهد الدولي كلّه، وسيؤدّي إلى تطوّرات دراماتيكية في الإقليم كلّه، يصعب حتى مجرّد تصوّرها.
لو قدّر أن تنتهي هذه الحرب، وأن يصار إلى صيغة ما لوقفها، أو التوافق على قدرٍ ما من شرط توقّفها، والذهاب إلى البحث عن أسس ومبادئ ضابطة في شرط تحوّلها إلى اتفاقيات ثابتة ومستقرّة على كل المستويات التي تضمن الدخول في مرحلة جديدة، فإن انقشاع الضباب سيكشف لنا عن تحوّلات لم تحدث في هذا الإقليم منذ ما يقارب نصف قرن وأكثر، وسيميط اللثام عن واقع جديد لم تكن شروطه التاريخية قد نضجت كما تنضج اليوم، ولما كان لها أن تنضج قبل المرور بهذه الحرب تحديداً.
كانت هذه الحرب حتمية وإجبارية من وجهة نظر المصالح الأميركية والإسرائيلية رغم المخاطر التي انطوت عليها حتى الآن، ورغم كل المخاطر التي ستنطوي عليها مع كل يوم وساعة من استمرارها على هذه المصالح المشتركة، وذلك لأن الفشل في حسم ملفّات الصراع كان يجب أن يؤدّي وبالضرورة إلى احتمال واحد من احتمالَين: إمّا الذهاب إلى تسويات تقبل بها كل أطراف ومكوّنات وقوى معادلة الصراع، بما في ذلك الحدود الدنيا من حقوق الشعب الفلسطيني، وأمن وسيادة لبنان وسورية ودول المحيط كلّه، وأن يصار إلى مساومة كبيرة تشمل على الأمن بمفهومه الإقليمي الشامل والمتبادل نسبياً، أو تلجأ دولة الاحتلال بكلّ السبل والوسائل، بما في ذلك استخدام كل وسائل وأساليب الضغط والابتزاز لهذه الحرب، ومهما كانت «غير مضمونة النتائج» بهدف خوفها، من ضياع «الفرصة التاريخية» والتي تتمثّل بوجود إدارة أميركية على شاكلة ترامب، وعلى شاكلة إدارته التي يصعب أن نجد فيها ولو شخصية واحدة من خارج إطار المنظومة المتصهينة، والرجعية والغارقة في هلوسات المسيحية الصهيونية.
وهنا بالذات وقعت هذه الإدارة في فخّ نصب لها بعناية، ليس بالذهاب إلى الحرب من حيث المبدأ ــ فهذه ليست هي المسألة ــ وإنّما من حيث التوقيت، ومن حيث دقّة الحسابات، ومن حيث رعونة المراهنات.
الكثيرون منّا، وفي محيطنا كلّه انساقوا وراء مقولات «الشرق الأوسط الجديد»، ووراء أوهام نهاية المقاومة في كلّ الإقليم وصدّقوا عن جهل أحياناً، وعن ضغائن دفينة، مذهبية أو طائفية أو فكرية سياسية، وصدّقوا أننا قد دخلنا «العصر الإسرائيلي»، ودخلنا مرحلة الإخضاع الأميركي الذي يحوّله إلى العصر الوحيد الممكن.
الكثيرون اهتزّت ثقتهم، ووهنت عزيمتهم، وتراجع يقينهم في قدرة منظومة رفض هذا الإخضاع الأميركي ومقاومته، وفي الاستبسال في مواجهته، وبإعداد كل ما يلزم لتحويل هذا الرفض، وهذا الاستبسال إلى قوة مواجهة مصيرية وحاسمة، وإلى قدرات وصلت، وهي تواصل الوصول إلى أفعال استثنائية أدت حتى الآن على الأقل إلى وضع «الشرق الأوسط الجديد»، و»العصر الإسرائيلي» الجديد في أزمة اختناق لم تشهدها الشراكة الأميركية الإسرائيلية من قبل، ولم يشهدها أعوان هذه الشراكة، وهوامشها «العربية والإسلامية» التي ثبت بالملموس أنها كانت وستبقى في الحسابات المتأخّرة لتلك الشراكة.
والآن، ما الذي سنراه حتماً في السهل كلّه بعد انقشاع الضباب؟
يحتاج الأمر إلى مقاربات معمّقة، وأبحاث ودراسات جادّة، وكل ما أحاول تناوله هنا من أمر الواقع الجديد الذي بدأ بالظهور رويداً رويداً من بين ثنايا وطبقات هذا الضباب هو مجرّد عناوين لا أكثر.
العنوان الأوّل، والذي بات مكرّساً برأيي، هو أن الذي جرى حتى الآن، وبصرف النظر عن النتائج الحسّية الملموسة لهذه الحرب الطاحنة، يثبت بصورة هي اليوم أقرب إلى اليقين أن شعوبنا كلّها في هذا الإقليم تستطيع، وهي قادرة على أن تصل إلى ما كان يبدو من المستحيلات السياسية، وما كان يبدو من قبيل التمنّيات البعيدة، ومن قبيل الأوهام، بل وحتى الأحلام الرغبوية.
والحقيقة أن ما نشهده اليوم، وما سنشهده غداً، هو أوّل ثورة، وبداية انقلاب في الوعي العربي والإسلامي يشبه إلى حدّ بعيد حالة الاستنهاض التي أعقبت هزيمة حزيران 1967، عندما قرّر النظام المصري الناصري في حينه أن يُجابه ويُقاتل، وكان أن أدى ذلك الوعي إلى انطلاقة جديدة للثورة الفلسطينية، وإلى حالة من استعادة وعي المقاومة، ومن رفض الخضوع، بصرف النظر عن التراجع الذي قادته «الساداتية السياسية» بالانقلاب على نتائج حرب تشرين الأوّل/ أكتوبر 1973.
وهنا تتأكّد من جديد صحّة هذا الاستنتاج في الحالتين، أي في حالة الاستنهاض، وفي حالة الانقلاب عليه، أن المسألة كلّها، وبصرف النظر عن موازين معادلاتها، وتوازنات القوة فيها، هي في النهاية، وفي المحصّلة، مسألة القيادة، لأن الأخيرة هي، وقبل أي عنصر أو عامل أو شرط هي مفتاح النهوض أو النكوص، وهي التي تستطيع أن تقود مشروع الاستنهاض أو الارتداد عنه.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا، على هذه المسألة أو تلك مع النظام الناصري أو النظام الإيراني، ومع إدراكنا الكامل للفرق بين الحالتين، في الدوافع والخلفيات، أو في المبادئ والمنطلقات، أو بالأهداف والطموحات، إلّا أن الانقلاب في الوعي، والأثر الذي سيتولّد عن هذا الوعي الجديد هو حالة تحوّل تاريخي جديد لم تحدث في هذا الإقليم منذ أكثر من نصف قرن. وسيكون لهذه الحرب ما بعدها من أثر وتأثير، وبما يفوق قدرتنا على الإلمام به، والإحاطة بنتائجه إلّا في سياقات فكرية وسياسية في طور التبلور اللاحق.
وهذه الحرب بعد أن تضع أوزارها، وينجلي الغبار عن مشهديتها ستحدث تحوّلات كبيرة في الوعي العربي الخليجي، وستنقل شعوب أمتنا هناك، من حالة إلى حالات جديدة لم تكن حتى في خيال أحد.
وأغلب الظنّ أن الدولة الوطنية في الخليج ستقف مطوّلاً أمام ما جرى لها، وما جرى بها من تلاعب أميركي وإسرائيلي وصل إلى حدّ التواطؤ على مصيرها حين أقدمت أميركا ودولة الاحتلال، على العكس من رغبة ومن مصالح الخليج العربي، بخوض هذه الحرب، بصرف النظر عن مصالحه والشعوب العربية فيه.
وستقف دول الخليج أمام «أمنها القومي الحقيقي» وليس الأمن الذي تغافلت عنه أميركا جهاراً نهاراً، وعبثت به استخبارات دولة الاحتلال بكلّ صلفٍ وعنجهية، وعنصرية سافرة. وثبت أن آخر ما تهتم به الأخيرة هو مصالح بلدان الخليج.
وسيكون الذهاب للمرّة الأولى نحو منظومة إقليمية جديدة حتمياً بعد أن وجدت دول وشعوب الخليج متروكة لمصيرها في أتون هذه الحرب الطاحنة، والتي باتت تهدّد مصير الخليج العربي كلّه، وبدأت بتهديد مصير بعض بلدانه.
وثبت، وسيثبت أكثر، لبلدان الخليج أنه لا استقرار في هذا الإقليم ما دامت المصالح الأميركية الإسرائيلية هي معيار الحرب والسلم، وما دامت دول الإقليم ليست سوى مصادر للطاقة الرخيصة، والاستهلاك لسلاح لا يستخدم إلّا في خدمة حروب الهيمنة، وإلى استهلاك بذخي، لا يبني اقتصاداً، ولا يؤسّس لأيّ تنمية مستدامة وحقيقية.
هذا الوعي الجديد سيعيد البحث في الأمن الحقيقي، وفي التنمية الحقيقية، وفي المصالح الحقيقية للأمم والشعوب، وسنتابع التركيز على هذه الأوجه من الحرب.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
