حسب ما يرى الخبير دافيد جندلمان والمحلل العسكري لصحيفة هارتس عاموس هرئيل، بعيداً عن الأرقام اليومية للضربات الجوية، تكشف التحليلات الإسرائيلية عن صورة أكثر تعقيداً للحرب الدائرة مع إيران. فالمؤسسة العسكرية في إسرائيل لا تنظر إلى العمليات الحالية كمعركة قصيرة، بل كحرب استنزاف طويلة نسبياً، هدفها الأساسي تقليص القدرات الاستراتيجية الإيرانية إلى الحد الأدنى الممكن.
استراتيجية “تفكيك القدرة” وليس الحسم السريع
توضح التحليلات العسكرية الإسرائيلية أن الهدف المركزي للحملة الجوية ليس فقط تدمير أهداف محددة، بل تفكيك منظومة إنتاج القوة العسكرية الإيرانية. ولهذا تركز الضربات بشكل متزايد على: مصانع الصناعات الصاروخية، خطوط الإنتاج الميكانيكية والإلكترونية، مخازن المواد الخام المستخدمة في تصنيع الصواريخ، ومنشآت إنتاج أنظمة الدفاع الجوي.
الفكرة الأساسية في هذا النهج، بحسب المحللين الإسرائيليين، هي أن تدمير المخزون الحالي من الصواريخ أقل أهمية من تعطيل القدرة على إنتاج صواريخ جديدة خلال السنوات القادمة.
محدودية التأثير على بنية النظام الإيراني
ورغم الضربات الواسعة، تعترف بعض التحليلات الإسرائيلية بأن الضربات لم تُحدث حتى الآن انهياراً في بنية النظام الإيراني. فالضربات التي استهدفت قيادات أمنية وعسكرية، بما في ذلك قيادات في منظومة “خاتم الأنبياء”، تُعد إنجازاً عملياتياً، لكنها لم تؤدِ إلى تفكك مؤسسات الدولة أو فقدان القيادة المركزية للسيطرة.
ويشير بعض المحللين إلى أن النظام الإيراني يمتلك بنية أمنية شديدة التشعب، مع تعدد الأجهزة والمؤسسات العسكرية، ما يجعل شلّها بالكامل أمراً صعباً حتى في ظل حملة جوية واسعة.
الصواريخ الإيرانية كأداة استنزاف
في المقابل، يرى محللون إسرائيليون أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على إدارة وتيرة إطلاق الصواريخ بعناية، وليس على استخدام كامل الترسانة في وقت واحد. ويُعتقد أن إيران تمتلك آلاف الصواريخ الباليستية، لكنها تستخدم عدداً محدوداً منها يومياً بهدف: الحفاظ على القدرة على الاستمرار في إطلاق الصواريخ لأسابيع أو أشهر، إبقاء الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحت ضغط دائم، واستنزاف منظومات الدفاع الجوي.
هذا الأسلوب، بحسب التقديرات الإسرائيلية، يشير إلى أن إيران تستعد لحرب طويلة نسبياً، وليس لمواجهة قصيرة.
القلق الإسرائيلي من اتساع الحرب الإقليمية
أحد أبرز عناصر القلق في التحليلات الإسرائيلية لا يتعلق بإيران نفسها، بل باحتمال توسع الحرب إلى ساحات إضافية. فالتقديرات تشير إلى أن طهران ما تزال تحتفظ بأوراق ضغط إقليمية متعددة، تشمل: حزب الله في لبنان، فصائل مسلحة في العراق، الحوثيين في اليمن، ومجموعات مسلحة في سوريا. ويرى بعض المحللين أن تفعيل هذه الساحات بشكل واسع قد يغير طبيعة الحرب بالكامل ويحوّلها إلى مواجهة إقليمية شاملة.
المعضلة الاستراتيجية لإسرائيل
في ضوء ذلك، تواجه إسرائيل معضلة استراتيجية واضحة: الاستمرار في الحرب قد يؤدي إلى إضعاف إيران عسكرياً بشكل كبير، لكن إطالة أمد الحرب قد تزيد خطر اتساعها إقليمياً. ولهذا تحاول إسرائيل، بحسب بعض التقديرات، تحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات العسكرية خلال فترة زمنية محدودة قبل أن تتزايد الضغوط الدولية لوقف الحرب.
العامل الحاسم: القرار الأمريكي
في النهاية، تجمع معظم التحليلات الإسرائيلية على أن القرار الحاسم في مسار الحرب لا يزال في واشنطن. فالدور الأمريكي لا يقتصر على المشاركة العسكرية، بل يشمل أيضاً: تحديد سقف العمليات، إدارة الضغوط الدولية، وتحديد توقيت الانتقال إلى المسار السياسي. وبالتالي، فإن نهاية الحرب – سواء عبر تسوية سياسية أو وقف إطلاق نار – ستعتمد بدرجة كبيرة على التقييم الأمريكي لنتائج العمليات العسكرية ومدى تحقق الأهداف الاستراتيجية.
الخاتمة
في نهاية اليوم الخامس عشر من الحرب على إيران، تظهر القراءة الإسرائيلية أن التصعيد العسكري الهائل لا يترجم بالضرورة إلى حسم سريع. فحجم الضربات الجوية واتساع دائرة الأهداف الداخلية والخارجية يضع إيران تحت ضغط مستمر، لكنه في الوقت نفسه يكشف محدودية تأثيره على بنية النظام الإيراني وقدرته على الصمود. وفي ظل هذا الاستنزاف، تتداخل الصراعات الإقليمية، من لبنان و غزة إلى سواحل البحر الأحمر والخليج، لتصبح أي مواجهة إقليمية لاحقة جزءاً من الحسابات العسكرية والاستراتيجية لكل طرف. وهنا يظهر بوضوح أن الحرب ليست مجرد مسألة أرقام أو خسائر عسكرية، بل اختبار دقيق لإدارة نزاع طويل والتوازنات الإقليمية، حيث سيظل القرار الأمريكي عاملاً حاسماً في توقيت الانتقال من المعارك العسكرية إلى التسوية السياسية أو وقف إطلاق النار.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
