وصلتني يوم الأربعاء الموافق 2026/3/11 من الصديق العزيز سمير الشوا، نسخة من كتابه الماتع الذي يحمل عنوان: ( غزة أيقظت العالم: ماذا بعد؟)، وسعدتُ كثيرًا بالإهداء، وهنا أعبر عن اعتزازي به وبمسيرته الحافلة بالإنجازات، وأشكره من أعماق قلبي جزيل الشكر، مع أطيب تمنياتي القلبية التي أزجيها له.
مـن وحــي الـصـورة:
تصفحت الكتاب الرائع فأثلج صدري، وكم كانت سعادتي غامرة عندما وجدت بعض الصور المشرقة التي ازدانت بها صفحات الكتاب، ومنها صورة والدي الكريم، المربي الفاضل الأستاذ عبد الهادي فيصل، أبو نعمان، في مدرسة حطين بحي الشجاعية في مدينة غزة في مطلع السبعينيات من القرن العشرين، وهو في بدلته الأنيقة بين أبنائه التلاميذ داخل الفصل الدراسي بمقاعده الخشبية. أخذتُ أتأمل هذه الصورة فإذ بها تثير في نفسي كثيرًا من الشجون، وتوحي إلي بكثير من المعاني، رغم مرور هذه السنين، وكأني بالوالد الكريم الذي حمل لـواء العـلـم وسط زملائه المعلمين وأبنائه التلاميذ، يغرس أشجارًا طيبة في حقل التربية والتعليم، ومما يزيدني تيهًا وفخرًا أن أجد هذه الأشجار الطيبة تؤتي أُكُلَها كل حينٍ في أرض غزة، إنني أرى في كتاب الصديق العزيز سمير الشوا بعض هذه الأُكُلِ، هنيئًا لك يا أبي، لقد طاب غرسك، وأينع ثمره، وفاح شذاه، ينشر معاني الإباء والعزة والصمود في كل مكان على أيدي الأبرار من أرض العزة.
الصورة الثانية التي عرضها المؤلف عند حديثه عن المكتبة الهاشمية في غزة التي أسسها المرحوم الأستاذ خميس أبو شعبان، كأول مكتبة ثقافية أنشئت بمدينة غزة في عام 1942م، وكانت تمثل منتدى يلتقي فيه الروّاد من أهل غزة أسبوعيًا كل يوم خميس، وكنت أواظب على حضور ندوة المكتبة الهاشمية الأسبوعية، التي تضم عديدًا من المثقفين وقادة الفكر والأدباء، الذين أسهموا في رقي الحياة السياسية والثقافية والأدبية في قطاع غزة.
تضم هذه الصورة بعض الشخصيات البارزة بمقر المكتبة الهاشمية في مدينة غزة وفي مقدمتهم الدكتور حيدر عبد الشافي، الذي كان رمزًا إنسانيًا ووطنيًا من طراز رفيع، انطلق في مسيرته من الأفق الوطني العام، وجسّد روح الصمود والإباء بعد عام 1967 قولًا وفعلًا، والأستاذ خميس أبو شعبان، أحد رجال غزة المرموقين، ورائد الصحافة الفلسطينية، ومؤسس أول مكتبة ثقافية في غزة، والكاتب والمؤرخ نعمان فيصل.
أهــميـة الـكـتاب:
إن الكتاب بحق يملأ فراغًا كبيرًا؛ حيث يخاطب شريحة كبيرة من المجتمع الغربي، وخاصة طلاب الجامعات الذين أيقظوا العالم بنشاطات مختلفة ومظاهرات شعبية كبيرة، جعلت من غزة أيقونة الصمود والدفاع عن الحقوق التي طافت معظم بقاع العالم، وكان أجدر بالفلسطينيين أن يستثمروا هذا الحراك أفضل استثمار لكسب الرأي العام العالمي لصالح قضيتهم وحقوقهم المشروعة.
صدر الكتاب في لندن باللغة الإنجليزية في (256 صفحة)، ويضم 15 فصلًا تتناول الحقب التاريخية لمدينة غزة، إضافة للملاحق والفهارس. وكنت أتوقع أن تعطي الثقافة الرسمية الفلسطينية بالخارج الكتاب حقه من الاهتمام والتعريف به، وهو ما لم يتم حتى الآن.
لقد بذل الصديق العزيز سمير الشوا جهدًا ضخمًا لإخراج الكتاب بهذا الشكل اللائق والراقي، الذي يهدف إلى تقديم سجل بصري لذاكرة الغزيين، مستعرضًا شروحًا دقيقة، وتسلسلًا زمنيًا، وتفاصيل الحياة الاجتماعية عبر عشرات الصور المميزة التي جمعت من أرشيفات مختلفة، فهي تعبر عن قيم الوفاء والتقدير، وكذلك معاني التآخي والتقارب مع أبناء شعبنا وإخوتنا المسيحيين.
لا شك أن هذا الكتاب سيكون أحد أهم المراجع الوثائقية التي تؤرخ للحياة في غزة، والذي يعبر عن الحنين لغزة المدينة، والتمسك بالجذور، ومحاولات استرجاع ذكريات الماضي الممزوجة بالأفراح والأحلام، والتي تعكس عمق المشاعر الإنسانية.
لقد استطاع الأستاذ سمير الشوا بهذا الكتاب المميز أن يستهوي الناس، ويجذب أنظارهم، فالكتاب جميل، تحب أن تقرؤه أكثر من مرة، وكل مرة يزيدك شوقًا وابتهاجًا لقراءته مرات، وأنا من الآن فصاعدًا سأطلق على الأستاذ سمير الشوا (غواص غزة)، حقًا، إنه غواص في ذخائر غزة، وتاريخها، وتراثها، ومقوماتها، ورجالها، ومؤسساتها، يعرض الحقائق ويتذوق الطيبات منها.
غــزة عـبـر الـتـاريـخ:
إن الكتابة عن غزة ورجالها ذات شجون عميقة وأهمية استثنائية، إذ تعد غزة من أقدم مدن العالم، وقد كان لها حضورها الملحوظ والمستمر في كل قرن من القرون، مقترنًا بالحيوية والنشاط، والريادة العلمية، والصمود النضالي، فاحتلت مكانة هامة، واعتبرت من أعظم مدن الفلسطينيين الخمس التي غيرت وجه التاريخ، وأسهم أهلها في إبراز جوانب إنسانية عديدة، ما جعل لها قصب السبق في ميدان الحضارة، وتعدد الثقافات عبر التاريخ، يقول عالم الآثار الفرنسي الشهير "جون باتيست همبرت" الذي يعد من أكثر العلماء الغربيين معرفة بعمق غزة التاريخي: (تتميز غزة بموقع لا مثيل له، وحضارة وثقافة مميزة عن غيرها منذ العصر الكنعاني قبل 4500 ق. م).
رجـال غـزة وأدب الـسيـرة الـذاتـيـة:
من خلال إسهاماتي البحثية المتواضعة في الكتابة عن غزة ورجالها، واجهت إشكالية رئيسية، وحلقة مفقودة في تاريخ المدينة ورجالها، وهي ظاهرة عدم تدوين المذكرات والذكريات لدى الروّاد في مدينة غزة، فبقيت ذكرياتهم طي النسيان، ولم تدون في صفحات السير الذاتية، وهي ظاهرة أدت إلى فقدان تراث تاريخي ومعرفي هائل، وفي غياب الرواية الأصلية لصاحب السيرة يُ فتح المجال للاجتهادات الشخصية والتأويلات، مما يجعل تاريخهم معرضًا للتشويه، فالمذكرات ليست مجرد حكايات، بل هي سجل حافل لمسيرة الحياة بكل ما فيها من أحداث، وغيابها يعني ضياع تراث أدبي للآباء والأجداد والأعلام لا يقدر بثمن. ومن خلال بحثي عن الأسباب التي تمنع الشخصيات الرائدة من توثيق سيرهم الذاتية ما بين دوافع شخصية ترتبط بثقافة أدب الكتمان، والتواضع المفرط، والانشغال الدائم، ومنها دوافع اجتماعية وسياسية، وهنا أقول: لولا الروح الخالدة، والحرص على تدوين السير الذاتية، ما وصلت إلينا كتب الروّاد وسيرهم من الأدباء والأعلام والمؤرخين، كالجـاحظ والمعـري وطـه حسين والعـقاد وأمثالهم.
إن الكتابة رسالة حياة، تقتضي أن يرتبط الكاتب بزمنه ووطنه، وينهض بمسؤوليته، ويؤدي رسالته في النقد والتغيير، وأحمد الله أن قلمي لم يكن حزبيًا في يوم من الأيام، وصداقتي مع الجميع صداقة الأنـداد لا الأتباع، فالكتاب هو عـزائي وسلواي.
ولهذا لم أتوقف عن التفكير دقيقة واحدة في فلسطين، في الشعب والأرض اللذين أحببتهما أكثر من كل شيء، وشهدت وأنا ممزق القلب، ضياع آمال جيل من الشباب، ولذلك لا بدَّ من إيقاظ الوعي لاسترداد هوية غزة، واستعادة كبريائها بعد سنوات من المهانة والفقر المدقع بسبب ما تعرضت له من نكبات.
إن العامل المشترك بيني وبين الكاتب سمير الشوا هي علاقة الأخوة، والعلاقة التي تجمع كل المظلومين الذين يناضلون لرفع الظلم واستعادة حقوقهم في الكرامة والحرية بالقـلم، الذي يمثل القوة الناعمة، التي ستظل أحد أهم أدوات التعبير عن القضايا العادلة، وإيصال رسالة صاحب الحق إلى العالم. إننا غير متقولبين، ولا وصاية لأحد على عقولنا وتفكيرنا وضمائرنا. وكما يقول الشاعر:
وتأنسُ النفسُ في نفسٍ تُوافقها
بالفكر والطبع والغايات والقيم
وفي الختام أدعو للأستاذ سمير الشوا بكل مشاعر المحبة بطول العمر، وموفور الصحة، ومـزيد من الجهد البنّاء، الذي يفيض على الجميع بالثمار الطيبة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
