مرة بعد ثانية، تثبت « حماس » أن همها الوحيد والأوحد هو أن تواصل حكمها على قطاع غزة ، وهي في سبيل ذلك تفعل كل شيء من أجل أن يظل القطاع البقرة الحلوب التي تمول الحركة بعد أن انقطعت السبل بجيوبها، ولم يعد المال يأتي من المحور الذي دفع الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة نتيجة الاصطفاف فيه. فكلما تفشل المغامرة تعاود «حماس» ترتيب أمورها كأن شيئاً لم يكن. بعد كل المصائب التي جلبتها مغامرات «حماس» وحروبها الدنكشوتية التي لم تكن الدوافع في الغالب خلفها إلا من أجل تعزيز شعبية الحركة وتخوين أي حراك شعبي ضدها بغية الحفاظ على سيطرتها، تواصل «حماس» تطوير استراتيجيات بقائها على حساب قوت الناس. لنتذكر أن كل حروب «حماس» كانت مرتبطة بمصالح الحركة في البقاء، فهي إما كانت بتوجيه خارجي من المحور من أجل تعزيز قواه الأساسية، وإما كانت لسد الطريق على أي حراك شبابي وشعبي يحاول أن يقول، «لا» لظلم الناس. 
كان إطلاق الصواريخ وسيلة «حماس» لخنق أي ثورة شعبية ضد حكمها الظالم، وفيما كان «المجاهدون» يطلقون الصواريخ كان الخطاب الإعلامي الموجه نحو الجبهة الداخلية يتسم بالتهديد والتخوين، وكان «المجاهدون» في نفس الوقت يطلقون النار على أرجل المعارضين السياسيين وتتم تصفية بعضهم وزج بعض آخر في زنازين ومسالخ التحقيق. هل تتذكرونها! عموما، ما زال جزء منها قائماً ويتم استدعاء المناضلين والتحقيق معهم فيه وإن اختلفت الأماكن وتم تبديل المواقع. نعم، كانت حروب «حماس» موجهة دائماً للجبهة الداخلية إما لتعزيز شرعية مفقودة أو لوقف حراك داخلي، أما تلك الحروب التي كانت من أجل تعزيز حضور قوى المحور في الإقليم فكانت غزة ساحة تجارب لاستعراض العضلات للأسف. وهذا بالطبع ليس غريباً عن تاريخ «حماس». 
تتذكرون كيف كانت «حماس» تقوم بالعمليات داخل تل أبيب في اللحظة التي يكون ياسر عرفات قد أوشك فيها على إتمام مفاوضات لإطلاق آلاف الأسرى. لا أحد يتهم «حماس» بهذا، بل هي من كانت تقول ذلك علناً في ذلك الوقت وكانت تصريحات قادتها وهمساتهم تقول، إن هدف هذه العمليات كان إفشال المفاوضات تحت حجج واهية. وعليه، أمضى آلاف الأسرى سنوات كثيرة من عمرهم في السجون لأن «حماس» تريد أن تحررهم بطريقتها. وما حدث من مفاوضات «حماس» في العامين الأخيرين بعد السابع من أكتوبر يكشف أن «حماس» لا تعرف إلا مصلحة «حماس»، في نهاية المطاف، تم تسليم الأسرى الإسرائيليين مقابل وقف إطلاق النار، بالمجمل. تم تحرير بعض الأسرى ولكن لم يكن الثمن بقدر التضحيات ولم يتم تحرير الجميع كما كان الخطاب المضلل يقول للناس. كذلك مثلاً، تم توظيف مسيرات العودة التي كان يمكن أن تكون استعادة للفعل الشعبي كما كنا مع آخرين نعتقد، وهي فكرة ليست حمساوية بل سرقتها «حماس» من بعض الأفكار التي يتم طرحها في هيئة العمل الوطني التي كان يترأسها الراحل المناضل زكريا الأغا، ما أقوله، إن «حماس» سرقت الفكرة وحولتها لوسيلة كسب جديدة حيث صارت تفاوض على وقفها مقابل أن تدخل «شنطة» الفلوس لجيوبها. 
عموماً، الآن وبعد أن هدأت الحرب قليلاً رغم أنها لم تتوقف، بدأت «حماس» بتشديد الخناق على الناس، كأنها تعاقبهم على صمودهم في وجه الإبادة والتهجير. الأخبار الواردة من غزة حول سيطرة وزارة اقتصاد «حماس» على البضائع وما نتج عن ذلك من ارتفاع مهول في الأسعار نتيجة الضرائب والاحتكار مقلقة وتعكس النزعة التي لم تخمد في نفس «حماس»، نزعتها في امتصاص الناس من أجل أن تسمن وتكبر. ولسان حالها فعلاً يشبه قول المثل الشعبي «أنا ومن بعدي الطوفان». ثمة سياسات مركبة لـ»حماس» من أجل امتصاص المال من شرايين الناس تتمثل بفرض بلديات «حماس» الضرائب حتى على البيوت المهدمة والمحال التجارية والبسطات وحتى يقال، إنه يتم فرض الضرائب على عربات الحمير التي تقل المواطنين بوصفها وسيلة نقل، ليس أبشع من هذا شيء. كما أن احتكار البضائع من بقالة ولحوم من أجل بيعها بأسعار مرتفعة للمطاعم جعل المواطنين غير قادرين على شرائها مع الارتفاع الصارخ للأسعار.
للأسف، لا أحد يتحرك من أجل التخفيف عن الناس. هؤلاء التجار ليسوا كائنات فضائية بل هم تجار لهم حسابات بنكية ومصالح تجارية يجب معاقبتها، وهذا يتوقف على السلطة التي يجب أن تعمل بحزم ضد هؤلاء وفق الأصول التي بيدها، لأن تركهم ينهشون بالناس بمساعدة «حماس» أمر يجعل الجميع شركاء في الجريمة. كما أن القوى الوطنية والتنظيمات يجب أن يكون لها موقف خاص وحازم من أجل التصدي لسياسات «حماس» الاقتصادية ولعصرها للناس من أجل أن تجني المال الذي تصرف فيه على حكومتها.
وبقي السؤال الأكثر سطحية عن لجنة التكنوقراط ودورها. ألم ترحب جميع الأطراف بتشكيل اللجنة وكانت موضع اتفاق من الجميع كما قالوا في بياناتهم؟ فلماذا لا تذهب اللجنة إلى غزة من أجل مباشرة عملها بدل الجلوس في فندق خمس نجوم في القاهرة؟ كل هذا تخطيط؟ لا أعرف، ولكن المؤكد أن خلف الأكمة ما خلفها، ومن الواضح أكثر أن اللجنة عاجزة عن الذهاب إلى غزة وتنتظر المعجزة بأن تختفي «حماس»، فهي لا تريد أن تكون مع الناس في مواجهة الظلم، تريد أن يزول الظلم وتعود لغزة حتى تحكم الناس. إن وجود اللجنة على علاتها في غزة من شأنه أن يعزز الناس وعلى الأقل يقوم بتأمين الطعام والغذاء للمواطنين بعيدة عمن يفرض عنهم الضرائب ويحتكر قوت يومهم. مرت الآن قرابة أربعة شهور منذ تشكيل اللجنة ولم نرَ شيئاً منها، هل حان الوقت أن تتقدم السلطة بمقترح يعيد الأمور لنصابها عبر إعادة تبعية قطاع غزة للجنة تتبع الحكومة أو الرئاسة. أظن أننا بحاجة لخطوة من هذا القبيل، خطوة تنطلق من استعادة ولاية منظمة التحرير على القطاع ومواجهة أي رفض مشترك من قبل إسرائيل و»حماس» على ذلك، على الأقل حتى نرحم الناس من بطش الظالمين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد