في خضم  العدوان الاسرائيلي الأمريكي  على إيران والتصعيد الإقليمي المتسارع، برزت في الإعلام الإسرائيلي روايات تتحدث عن استهداف إيران لمنشآت حيوية في دول الخليج، من بينها الادعاء بضرب محطة لتحلية المياه في الإمارات العربية المتحدة. وقد رُوّجت هذه الرواية في وسائل الإعلام الإسرائيلية.

لكن هذه الرواية سرعان ما قوبلت بنفي إماراتي واضح. فقد أكد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، أن الهدف هو “وقف هذا العدوان المستمر على الإمارات ودول الخليج العربي، لا الانجرار إلى التصعيد”، في موقف يعكس حرص أبوظبي على عدم الانزلاق إلى مسار تصعيدي أوسع.

غير أن المسألة لا تتعلق بمجرد خلاف حول واقعة أمنية، بل تكشف جانباً من معركة الرواية السياسية المرافقة للحرب. فإسرائيل تسعى إلى ترسيخ فكرة أن إيران لا تمثل تهديداً لها وحدها، بل تشكل خطراً مباشراً على دول الخليج أيضاً، في محاولة لبناء تصور إقليمي يبرر توسيع دائرة المواجهة.

ولا يمكن فصل هذه المحاولات عن السياق السياسي الذي نشأ خلال السنوات الأخيرة بعد توقيع اتفاقيات إبراهيم، التي أسست لعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية متنامية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة. فمن منظور إسرائيلي، قد يبدو إشراك دول الخليج في المواجهة مع إيران امتدادًا طبيعيًا لفكرة “التحالف الإقليمي” الذي سعت تل أبيب إلى بنائه في مواجهة طهران.

لكن حسابات دول الخليج تبدو مختلفة إلى حد كبير. فهذه الدول تدرك أن الانخراط المباشر في الحرب قد يحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة، حيث تصبح منشآت الطاقة والموانئ ومحطات تحلية المياه أهدافًا محتملة في أي تصعيد إقليمي.

ولهذا السبب تميل بعض العواصم الخليجية إلى العمل على احتواء التصعيد بدلاً من توسيعه. فقد لعبت السعودية، إلى جانب قطر، دوراً في جهود الوساطة ومحاولات منع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاستقرار الإقليمي يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لدول الخليج.

ولا يمكن فهم محاولات جرّ دول الخليج إلى المواجهة بمعزل عن الرؤية الإقليمية الأوسع التي تطرحها القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو . فهذه الرؤية تقوم على إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط بحيث تتحول إسرائيل إلى القوة المركزية المهيمنة سياسياً وأمنياً في المنطقة.

وفي هذا السياق، لا تبدو دول الخليج مجرد حليف محتمل في مواجهة إيران، بل تمثل أيضاً مركز ثقل استراتيجياً بسبب ما تمتلكه من موارد طاقة هائلة وقدرات مالية وبنية تحتية حيوية. ومن هنا، فإن إدخال هذه الدول في صراعات إقليمية واسعة أو إبقاءها في حالة تهديد دائم قد يؤدي عملياً إلى استنزاف جزء من قدراتها، وتعميق اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة وإسرائيل.

بهذا المعنى، قد لا تكون محاولات تضخيم التهديدات أو نشر روايات عن استهداف منشآت خليجية مجرد جزء من الحرب الإعلامية الجارية، بل قد تعكس أيضاً محاولة لدفع دول الخليج إلى موقع أكثر ارتباطاً بالاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة. وهي استراتيجية تسعى في جوهرها إلى إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط، بحيث تصبح إسرائيل الطرف الأكثر قدرة على التأثير في معادلات الأمن والاقتصاد والسياسة في المنطقة، بما في ذلك الخليج العربي الذي يمثل أحد أهم مراكز الثقل الاستراتيجية في العالم.

في ضوء ما سبق، يصبح واضحاً  أن محاولات إسرائيل لإقحام الخليج، وخاصة الإمارات، في المواجهة مع إيران ليست مجرد حوادث عابرة أو دعاية إعلامية عشوائية. بل هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع دائرة الحرب، وإضعاف دول الخليج، وربما السيطرة على مراكز قوتها الحيوية، بما يخدم رؤية تل أبيب للهيمنة على الشرق الأوسط.

ورغم العلاقات المتنامية بين إسرائيل ودول الخليج منذ توقيع اتفاقيات إبراهيم، تدرك أبوظبي والرياض ودول الخليج الأخرى أن الانجرار إلى المواجهة مباشرة مع إيران سيكون تكلفة استراتيجية باهظة، قد تحوّل هذه الدول إلى ساحات نزاع لا سيطرة لها على مساره أو نهايته.

لهذا السبب، يبدو أن الخيار الخليجي قد يكون الأكثر حكمة آو حذراً. يكمن في احتواء التصعيد، وتعزيز الجهود الدبلوماسية للوساطة، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، بعيداً  عن أي مغامرة عسكرية قد تحقق أهدافاً  إسرائيلية لا تخدم مصالح الخليج الاستراتيجية. فالأمن الحقيقي لهذه الدول لا يقوم على الانخراط في صراع مفتوح، بل على قدرتها على الحفاظ على استقلاليتها وقدرتها على المناورة السياسية والاقتصادية في منطقة ملتهبة بالصراعات، حيث كل خطوة متهورة قد تكلفها الكثير.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد