تكشف التحليلات الإسرائيلية الأخيرة عن مفارقة أساسية في مسار الحرب مع إيران: بينما يبدو التفوق العسكري لإسرائيل والولايات المتحدة واضحاً في الأيام الأولى، يحذر بعض المحللين الاستراتيجيين من أن الحرب قد تتحول إلى مواجهة طويلة ومكلفة إذا لم يتم إدارة عنصر الزمن بعناية. فبين الإنجازات الميدانية البارزة في ضرب البنية العسكرية الإيرانية ومراكز قيادتها، تظل إيران قادرة على تحويل الوقت إلى سلاح استراتيجي قد يغيّر ميزان القوى ويزيد كلفة الصراع على الطرفين.

في هذا السياق، يبرز خطاب بعض المحللين مثل دايفيد جندلمان، الذي يركز على اتساع بنك الأهداف وكثافة الضربات الجوية، معتبراً  أن التفوق العملياتي يعكس قدرة إسرائيل على السيطرة على مسار الحرب. غير أن قراءة استراتيجية أكثر حذراً، يقدمها الباحث العسكري حنان شاي، تشير إلى أن التفوق العسكري وحده لا يكفي، وأن إيران لا تزال تمتلك قدرة على إطالة أمد الحرب واستنزاف الطرف المهاجم تدريجيًا.

منذ الأيام الأولى للحرب ركزت إسرائيل والولايات المتحدة على توجيه ضربات واسعة للبنية العسكرية الإيرانية، مستهدفة منشآت الصواريخ الباليستية ومراكز القيادة العسكرية والبنية التحتية الدفاعية. كما توسعت الضربات لاحقًا لتشمل مواقع اقتصادية حساسة مثل منشآت الطاقة ومصافي النفط، في خطوة تعكس انتقال المعركة من استهداف القدرات العسكرية المباشرة إلى ضرب مصادر القوة الاقتصادية للنظام الإيراني.

يتمثل التحدي الاستراتيجي الأساسي في أن الطرف المهاجم يبدأ الحرب بميزة المبادرة والمفاجأة وتركيز القوة، لكن هذه المزايا تتآكل تدريجيًا مع مرور الوقت، خصوصًا إذا تمكن الطرف المدافع من امتصاص الضربة الأولى وإعادة تنظيم قدراته. وفي مثل هذه الحالات قد تتحول الحرب من مواجهة سريعة إلى صراع استنزاف طويل، تتراجع فيه تدريجيًا أفضلية الهجوم لصالح الدفاع.

إضافة إلى ذلك، تحمل إطالة الحرب آثاراً سياسية واقتصادية مباشرة. تصاعد التوتر في منطقة الخليج والشرق الأوسط قد يؤدي إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز، ما يفرض ضغوطاً اقتصادية على الدول الغربية، خاصة أوروبا التي تسعى لتأمين مصادر طاقة مستقرة. كما قد يفاقم استمرار الحرب الانقسامات السياسية داخل المعسكر الغربي، ويمنح قوى دولية أخرى مثل الصين مزايا اقتصادية ضمن هذا السياق.

كما يبقى خطر توسع المواجهة إقليمياً قائماً، في ظل وجود قوى مرتبطة بإيران مثل حزب الله في لبنان أو الحوثيين في اليمن، ما قد ي فتح جبهات إضافية ويعقد المشهد العسكري والسياسي أكثر.

وهكذا تعكس النقاشات داخل إسرائيل توتراً واضحاً بين مستويين من التفكير: مستوى يركز على الإنجازات الميدانية والتفوق العسكري المباشر، ومستوى آخر يدرك أن التفوق العسكري وحده قد يفقد جزءاً من فعاليته إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة.

في ضوء ذلك، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على مواصلة الضربات العسكرية، بل يتعلق بالقدرة على إدارة عنصر الزمن الاستراتيجي للحرب. فبينما قد يكون التفوق العسكري ممكنًا على المدى القصير، فإن تجنب الانزلاق إلى حرب استنزاف إقليمية يظل المفتاح لضمان نصر استراتيجي واضح وحقيقي.

في نهاية المطاف، تكشف هذه التحليلات أن الحرب مع إيران ليست مجرد صراع على الأرض أو في السماء، بل هي صراع على الزمن والمقدرات الاستراتيجية. التفوق العسكري الذي تحققه إسرائيل والولايات المتحدة اليوم لا يضمن النصر النهائي إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، تفرض كلفاً سياسية واقتصادية هائلة على الأطراف المهاجمة وتمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها.

وتعكس هذه المعادلة هشاشة أي تصور بسيط للنصر: فمن جهة يثبت التفوق العملياتي أن القوة الجوية والدقة العسكرية قادرة على إحداث تأثير ملموس، ومن جهة أخرى يفرض الواقع الإقليمي أن أي خطوة محسوبة بعناية قد تتفجر إلى مواجهات متعددة الجبهات تشمل حزب الله، الحوثيين، وربما أطرافاً إقليمية أخرى، ما يزيد من تعقيد الحسابات الاستراتيجية.

وهنا تكمن الرسالة الرئيسة: المنتصر في الحرب ليس بالضرورة من يمتلك السلاح الأكبر، بل من يملك القدرة على إدارة الوقت والفرص بشكل يحول التفوق العسكري إلى نصر استراتيجي مستدام. وإسرائيل، رغم الإنجازات الميدانية الكبيرة، أمام اختبار حقيقي: كيف تمنع التفوق العسكري من أن يتحول إلى فخ استنزاف؟ كيف تحسم الحرب قبل أن يصبح الوقت سلاح خصمها الأقوى؟

في هذا السياق، تبدو كل خطوة محسوبة على المسرح العسكري والسياسي كأنها معركة دقيقة بين العنف والذكاء، بين القوة والوقت، وتوضح أن أي حساب خاطئ قد يقلب الطاولة، ليس على الجانب الإسرائيلي فقط، بل على المنطقة بأكملها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد