استيقظت صباح اليوم على خبرٍ مؤلم نشره صديقي وجاري عدلي نزال على صفحته في فيسبوك، ينعي فيه ثلاثة من أبناء بلدته التي طالما حدثني عن موقعها وجمال طبيعتها وطيبة أهلها وعمق ارتباطهم بالأرض. وكما يقول أهالي أبو فلاح وهم يعتزون بحبهم لأرضهم: هذا الجبل لنا وهذه المساحات الشاسعة لنا. وانطلاقًا من هذا الارتباط العميق بالأرض، لم يكن غريبًا أن ينبري أبناء أبو فلاح الشجعان للدفاع عنها في مواجهة هجمة المستوطنين الغادرة الليلة الماضية.

ففي سياق سياسة ممنهجة أطلقت خلالها حكومة الاحتلال برئاسة نتنياهو يد المستوطنين لتوسيع الاستيطان وفرض سياسة الضم المتدحرج، تعرّضت قرية أبو فلاح قضاء رام الله لهجوم إجرامي جديد. لذلك لا يمكن اعتبار ما جرى حادثًا عابرًا أو فعلاً فرديًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاعتداءات المنظمة التي تنفذها جماعات المستوطنين بحق القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية.

وخلال هذا الاعتداء ارتقى ثلاثة من خيرة شباب القرية وهم يدافعون عن أرضهم وأهلهم في مواجهة هذا الاعتداء الهاشم : الشهيد البطل فارع حمايل، والشهيد البطل ثائر حمايل، والشهيد البطل محمد حسن أبو مرة. 

إن ما جرى في أبو فلاح يختصر إلى حد بعيد طبيعة المرحلة التي تمر بها الأراضي الفلسطينية، حيث يتصاعد إرهاب المستوطنين بصورة غير مسبوقة، في ظل حماية مباشرة من جيش الاحتلال وغطاء سياسي كامل من حكومة الاحتلال المتطرفة. فهذه الحكومة لم تكتفِ بتوسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر إطلاق يد المستوطنين للاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم، في محاولة لفرض واقع جديد يقوم على الترهيب والعنف بهدف دفع الفلسطينيين إلى ترك أرضهم.

وتكشف الاعتداءات المتكررة التي تشهدها القرى الفلسطينية عن نمط واضح من التنظيم والتنسيق؛ إذ تتكرر الهجمات الليلية على القرى، ويجري خلالها إطلاق النار وإحراق الممتلكات والاعتداء على السكان. وغالبًا ما يتم ذلك بحضور قوات جيش الاحتلال أو تحت حمايتها، الأمر الذي يؤكد أن إرهاب المستوطنين ليس مجرد تجاوزات فردية، بل أداة من أدوات السياسة الإسرائيلية على الأرض.

وليس ما جرى في أبو فلاح إلا امتدادًا لجرائم أخرى وقعت مؤخرًا في أكثر من منطقة. فقبل أسبوعين فقط أقدم مستوطنون على قتلت عصابات المستوطنين الشهيدين الشقيقين محمد وفهيم طه في قرية قريوت قضاء نابلس ، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الاعتداءات التي تستهدف القرى الفلسطينية، وتؤكد أن الهدف الحقيقي من هذه الهجمات هو فرض مناخ دائم من الخوف وعدم الاستقرار تمهيدًا لتوسيع السيطرة الاستيطانية.

ومع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه والاعتزاز في كل هذه الأحداث هو إصرار أبناء القرى الفلسطينية على الصمود والتصدي لهذه الاعتداءات رغم اختلال ميزان القوة. فالشباب الذين ارتقوا شهداء في أبو فلاح لم يكونوا سوى نموذج حي لإرادة شعب يرفض الاستسلام، ويتمسك بأرضه وحقه في الحياة والحرية والكرامة.

إن استمرار إرهاب المستوطنين بهذا الشكل يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، خاصة في ظل تصاعد الدعوات داخل إسرائيل لمزيد من التوسع الاستيطاني وفرض الوقائع بالقوة. فالصمت على هذه الجرائم لا يعني سوى تشجيعها واستمرارها.

ورغم فداحة الخسارة التي تكبدتها قرية أبو فلاح، فإن الرسالة التي يبعث بها أهلها، كما أهل فلسطين عمومًا، تبقى واضحة: إرهاب المستوطنين لن يكسر إرادة الشعب الفلسطيني، ولن يدفعه إلى التخلي عن أرضه. فهذه الأرض التي رُويت بدماء الشهداء ستظل عنوان الصمود والبقاء مهما تصاعدت محاولات القمع والاقتلاع.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد