منذ أن تولّى رئيس أميركا دونالد ترامب ولايته الجديدة في البيت الأبيض قبل أكثر من عام، يندر أن يمرّ يوم في الحياة السياسية والداخلية الأميركية، دون أن تكون هناك فضيحة، أو مغامرة، أو ادعاءات لا تنقطع، بحيث أصبحت أميركا، صاحبة أكبر وأوسع قدر من «الترندات» على مستوى الكرة الأرضية.
بعد ملفّ فضائح جيفري إبستين التي لا تزال مفتوحة وتستحوذ على اهتمامات السياسيين وأصحاب رؤوس الأموال والمتنفّذين، ونشطاء «السوشيال ميديا»، ومع استمرار الصخب حول الملفّ الإيراني، وقع تناقض صارخ بين المحكمة العليا الأميركية وترامب، بشأن سياسة التعريفات الجمركية.
ترامب يتحدّى القضاء الأميركي، ويعلن استمراره في فرض رسوم جمركية تطال كل من يتعامل مع بلاده.
وفوق هذا وبعد كل هذا تظهر فضيحة تصريحات السفير الأميركي لدى الدولة العبرية مايك هاكابي تحدث فيها عمّا سمّاه «الحق التوراتي» لليهود في أرض تمتدّ من نهر الفرات إلى نهر النيل، وفق مراجع دينية مزيّفة، للسيطرة على المنطقة وبما يشمل معظم دول مركز الشرق الأوسط.
من كشف عن هذه الفضيحة، هو تاكر كارلسون المذيع الأميركي الشهير الذي يعلن أنه يحبّ دولة الاحتلال، ويتمنّى أن يراها في أحسن حال، بعد أن استجاب لطلب السفير هاكابي لإجراء مقابلة معه في دولة الاحتلال.
الفضيحة لم تقتصر على ما أدلى به هاكابي من تصريحات تكشف عن تواطؤ أميركا مع المخطّطات الإسرائيلية التي تستهدف أراضي واسعة من المحيط، تصل إلى العربية السعودية ومصر، ولبنان وسورية والعراق، فضلاً عن فلسطين قلب هذه المنطقة.
المذيع المشهور الأميركي الأصل، والمحسوب على تيّار «ماغا» فوجئ بطريقة تعامل السفارة الأميركية، وأجهزة الأمن والخارجية الإسرائيلية، معه، حيث تمّ حجز جوازات سفره والمجموعة المرافقة، وأخضعوهم للتحقيق.
ما تعرّض له كارلسون، وأثار قلقه خلال الرحلة، من المرجّح أن يثير مخاوفه من أن يتعرّض لاعتداء أسوة بمن سبقوه، بسبب انتقاداتهم لسياسة دولة الاحتلال، لكن هذه المخاوف لم تمنعه من أن ي فتح النار على السياسة الإسرائيلية ولو من باب الحرص والمحبّة.
وبمعزل عن ما تعرّض له كارلسون وفريقه، فإن تصريحات هاكابي تشكل اعترافاً صريحاً بل وقحاً، بشأن طبيعة وأبعاد المخطّطات الإسرائيلية الجارية ومآلاتها الخطيرة.
مثل هذه التصريحات لا يمكن أن تحمل على المسؤولية الشخصية وحرية التعبير، فهاكابي يمثل رسمياً سياسة الدولة، التي يعمل سفيراً لها، خاصة أنه منذ أيّامه الأولى كسفير وهو يستخدم تعبير «يهودا والسامرة»، بمعنى أنه لا يعترف بأن قطاع غزّة والضفة الغربية و القدس أراضٍ محتلة، وأنها «حق توراتي وتاريخي» لدولة الاحتلال.
الإدارة الأميركية، لم تنفِ ولم تصحّح ما يرِد وما ورد على لسان سفيرها الذي يقف مئة بالمئة مع سموتريتش وبن غفير، ونتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» لارتكابه جرائم الحرب على قطاع غزّة.
وبالرغم من مطالبة السعودية ومصر، الإدارة الأميركية، بإصدار توضيح لما ورد على لسان سفيرها إلّا أن الأخيرة اكتفت بما صدر عن سفارة بلدها في تل أبيب التي قالت «إن تصريحات هاكابي بشأن أحقّية إسرائيل في أجزاء من الشرق الأوسط قد أُخرِجت من سياقها، مؤكّدة أن السياسة الأميركية لم تتغيّر».
ردّ السفارة ينطوي على مراوغة، لأنها تتطابق مع تصريحات متكرّرة كان نتنياهو ووزراؤه، قد عبّروا عنها، حين نشر خارطة لـ»إسرائيل الكبرى» تؤكّد ما جاء في حديث هاكابي.
ثم ألم يتحدّث ترامب، عن صغر مساحة دولة الاحتلال، والحاجة لتوسيعها فضلاً عن أنه في ولايته الأولى، أعلن عمّا تسمّى « صفقة القرن » التي بدأت ملامحها، بالاعتراف بالقدس كلّها عاصمة لدولة الاحتلال.
في الواقع فإن ما تقوم به دولة الاحتلال في المنطقة يؤكّد ما جاء في حديث هاكابي، فهي بالإضافة إلى سياستها المعلنة والممارسة بشأن القطاع والضفة، والإصرار على تنفيذ مخطّط التهجير فإن ما تقوم به في لبنان وسورية من السيطرة والتوسّع يؤكّد هذا الهدف.
وعلى صعيد أوسع، تعمل دولة الاحتلال بالتعاون مع حليفها العربي المعروف على تهديد الأمن القومي لكلّ من السعودية ومصر، من خلال ما تقوم به «قوات الدعم السريع» في السودان، ومن خلال محاولة خنق مصر والسودان، من قبل أثيوبيا عَبر «سدّ النهضة»، فضلاً عمّا تقوم به من تدخّلات في «أرض الصومال»، والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.
بعد أن كانت مثل هذه التصريحات، نظرية، لا تستدعي أكثر من إصدار البيان أصبحت اليوم واقعاً ملموساً، استدعى من السعودية، ومصر، وتركيا، تكثيف التعاون فيما بينها، لمحاصرة ووأد هذه التحرّكات، بعد أن وصلت النيران إلى الأقدام.
هذه المخطّطات وإن كانت تشهد تحرّكات ملموسة على الأرض لكنها ليست قدراً محتوماً، بل إنها قد تشكّل قدراً محتوماً للسياسة الصهيونية، خصوصاً في ظلّ تنامي الوعي العربي لخطورة هذه المخطّطات، وبسبب حركة التطوّرات والمتغيّرات العالمية، خصوصاً في أميركا والمنطقة.
وفيما تظهر ملامح تحالف، أو تنسيق عالي المستوى، بين السعودية ومصر وتركيا والباكستان وقطر، لمواجهة هذه المخاطر، تشهد دولة الاحتلال تحرّكاً مضاداً، في محاولة لإنشاء حلف آخر سداسي.
الحلف السداسي الذي تحدّث عنه نتنياهو يشمل الهند مقابل باكستان واليونان وقبرص مقابل تركيا ودولاً عربية وآسيوية وإفريقية لم يسمّها مقابل مصر والسعودية.
وأن هذا الحلف يشكّل محوراً جديداً ضدّ «المحور الشيعي» الذي يدّعي أنه انهار و»المحور السنّي» المتشكّل.
يتوهّم نتنياهو أن حلفه المزعوم، سيكون قادراً على تمكينه من المحافظة على ديناميكية التوسّع برسوخ، ويتعهّد عملياً بتمكين السيطرة على الضفة، والسيطرة على كلّ أرض فلسطين التاريخية باعتبار ذلك الحجر الأساس في «شرقه الأوسط الجديد». يشي ذلك بأن المنطقة على أبواب حروب، ومتغيّرات دراماتيكية، وتحالفات لم تكن في الحُسبان، ولكنّه يغامر بمستقبل دولة الاحتلال.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
