تُقصف الجامعات، تُهدم الفصول، تُمحى المكتبات، لكن الذاكرة لا تُقصف، والعقل لا يُهدم. من بين الركام يخرج الطلبة يحملون دفاترهم كما يحمل المقاوم سلاحه، يكتبون فوق التراب ما تبقّى من أحلامهم، ويرفعون رؤوسهم عالياً في وجه المستحيل.
أكثر من عشرين جامعة وكلية جامعية في غزة تضرّرت أو دُمّرت كلياً بفعل القصف، ومع ذلك لم يتوقف التعليم. في كل زاوية من القطاع، هناك مبادرة، فصل مؤقت، شاشة هاتف صغيرة تُحوّل إلى نافذة على المعرفة، ومعلم يشرح درسه وسط الظلام أو بين الخيام.
ثمانية وثمانون ألف طالب توقفت دراستهم قسراً، لكنّ إرادتهم لم تتوقف. ما زالوا يقرأون، يتعلمون، يحلمون بوطنٍ ينهض من جديد، وبمستقبلٍ لا تحدّه الحواجز ولا المعابر المغلقة.
في غزة، التعليم ليس رفاهية، بل هو شكل من أشكال المقاومة. أن تواصل الدراسة وسط الحرب، يعني أن تؤمن بالحياة رغم كل ما يوحي بالموت.
أن تحضر محاضرة في جامعةٍ نُسفت مبانيها، هو إعلانٌ صامت أن الفكرة لا تُقصف، وأن الطريق إلى الغد يبدأ بحرفٍ على ورقة.
في مدارس الإيواء، يجتمع أطفالٌ فقدوا منازلهم ومدارسهم حول متطوعين ومعلمين أعادوا ترتيب الفصول من لا شيء. سبورة من كرتون، أقلام قليلة، وقلوب مليئة بالعزم. يتعلمون في ظلّ الدمار معنى آخر للتعليم: أن المعرفة لا تحتاج جدرانًا، بل إيمانًا.
أما في الجامعات المؤقتة، فالطلاب يجلسون على الأرض، يستمعون إلى أساتذتهم الذين يدرّسون من الذاكرة حين تغيب الكهرباء، ومن الإصرار حين يغيب الأمل.
المعرفة في غزة لا تسير بخط مستقيم، بل تتعرّج مع انقطاع الإنترنت، وانقطاع الكهرباء، ومع أصوات القصف التي تقطع المحاضرات. ومع ذلك، هناك من يصرّ على تقديم امتحاناته، وهناك من يكتب بحث تخرّجه تحت ضوء شمعة.
تتجلّى البطولة في هؤلاء الشباب الذين يواصلون الحلم بأن التعليم هو جواز عبورهم نحو حياةٍ أفضل، وأن ما يُزرع اليوم من علمٍ وصبرٍ، سينبت غدًا حريةً وكرامة.
"أدرس لأنني لا أريد أن أموت مرتين"، قالها طالب جامعي فقد بيته وأصدقاءه، لكنه لا يزال يحضر محاضراته عبر الهاتف المحمول.
وتقول طالبة في كلية الطب بعد تدمير جامعتها: "قد يفجّرون مبانينا، لكنهم لن يمحوا ما حفظناه عن نبض الحياة."
هكذا تبقى غزة مدرسةً مفتوحة رغم كل شيء. يتحوّل التعليم فيها إلى فعل إيمانٍ عميق، وإلى رسالةٍ جماعية بأن النهوض يبدأ من العقل لا من السلاح.
ورغم الفقر، والحصار، والدمار، لا تزال البيوت الصغيرة تخرّج الأوائل، ولا تزال الأمهات يعلّمن أبناءهن الحروف الأولى.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
