بشجاعة هادئة، وبإصرار لا يلين، تواجه السيدة فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واحدة من أشرس حملات التحريض السياسي والإعلامي التي شهدها هذا الموقع الأممي منذ سنوات. حملة لا تستهدف شخصها فحسب، بل تطال جوهر فكرة العدالة الدولية ذاتها، وتستهدف حق الضحايا في أن يكون لهم صوت مسموع داخل منظومة يُفترض أنها أُنشئت لحمايتهم والدفاع عن حقوقهم.
منذ توليها مهامها، اختارت ألبانيز الانحياز الواضح إلى الحقيقة، وتسميـة الأشياء بأسمائها، من دون مواربة أو تلطٍّ خلف لغة دبلوماسية رمادية. لم تهادن في توصيف ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة ، من جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، كما وثّقتها تقاريرها الأممية الصريحة خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل لعامين متتاليين. هذا الوضوح، الذي كان ينبغي أن يُقابل بالاحترام والدعم، تحوّل في نظر قوى الهيمنة المنحازة للاحتلال والعدوان إلى “جريمة” تستوجب العقاب.
تحت ذريعة جاهزة ومبتذلة، وُجهت إلى ألبانيز اتهامات “معاداة السامية”، في محاولة فجة لإسكاتها، وتشويه مصداقيتها، ودفعها إلى الاستقالة. وهي تهمة باتت تُستخدم كسلاح سياسي لحماية الاحتلال من المساءلة، وللهروب من استحقاقات العدالة، ولتحصين جرائمه ضد أي نقد أخلاقي أو قانوني. غير أن ألبانيز، التي تدرك خطورة هذا الابتزاز، رفضت الانصياع، وأكدت تمسكها بمهمتها، وبانحيازها المعلن إلى الضحايا، لا إلى الجلاد.
اللافت في هذه الحملة أنها لم تقتصر على وسائل إعلام منحازة أو جماعات ضغط معروفة، بل شاركت فيها دول كبرى، على رأسها الولايات المتحدة، إلى جانب مطالبات صدرت عن فرنسا وألمانيا بدفعها إلى التنحي. وهو ما يشكل سابقة خطيرة، واعتداءً مباشراً على استقلالية منظومة الأمم المتحدة، ومحاولة مكشوفة لتسييس عمل المقررين الخاصين، وتحويلهم إلى موظفين خاضعين لإرادة الدول النافذة، لا إلى حماة للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
إن استهداف فرانشيسكا ألبانيز هو في جوهره استهداف لمنظومة العدالة الدولية، ولكل من يجرؤ على فضح جرائم الاحتلال، وكشف شبكات التواطؤ الدولي التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إدامة نظام الاحتلال والاستعمار والاستيطان. وهو أيضاً رسالة ترهيب موجهة لكل صوت حر داخل المؤسسات الدولية مفادها أن الصمت هو الضمانة الوحيدة للسلامة المهنية.
لكن، وفي مقابل هذا المشهد القاتم، برزت حملة تضامن دولية واسعة مع ألبانيز، شارك فيها حقوقيون، وأكاديميون، ونشطاء، ومؤسسات مجتمع مدني، رأت في موقفها نموذجاً لما يجب أن يكون عليه المسؤول الأممي: شجاعة في قول الحقيقة، واستقلالية في القرار، والتزاماً أخلاقياً لا يخضع للمساومة. هذه الحملة لا تدافع عن شخص بقدر ما تدافع عن مبدأ، وعن حق شعبٍ بأكمله في العدالة والكرامة.
إن التضامن مع فرانشيسكا ألبانيز اليوم ليس موقفاً شخصياً، بل واجب سياسي وأخلاقي. هو دفاع عن استقلال القانون الدولي، وعن حق الشعب الفلسطيني في أن تُروى مأساته بصدق، وأن ينال مرتكبو الجرائم العقاب، مهما كانوا محميين بالقوة والنفوذ. وهو أيضاً دعوة لتوسيع دائرة التضامن، وتحويلها إلى ضغط حقيقي يضع حداً لاستهداف المقررين الأمميين، ويحمي ما تبقى من مصداقية النظام الدولي.
في زمن يُكافأ فيه الصمت، وتُعاقَب فيه الحقيقة، تذكّرنا فرانشيسكا ألبانيز بأن العدالة قد تكون وحيدة أحياناً، لكنها لا تُهزم ما دام هناك من يحمل سيفها، ولو بيدٍ واحدة.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
