قبل عشرين عاماً من هذا اليوم قام الرئيس محمود عباس بتكليف إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة العاشرة في لحظة فارقة في السياسية الفلسطينية، وفي خطوة غير مسبوقة في السياسة العربية حين يقوم رئيس من تنظيم بتكليف رئيس وزراء من تنظيم آخر التزاماً بنتائج الانتخابات. 


ومع هذا فإن الحديث لا يكاد أحد يذكره خاصة بعد الكوارث التي جلبتها حماس وإدارتها للشأن الفلسطيني بعد ذلك سواء بالتراضي أو حين انقلبت على الشرعية الوطنية التي كانت جزءاً منها وأيضاً في تصرف غير مسبوق في السياسة حين يقوم تنظيم بيده الحكومة بالانقلاب على المؤسسة التي منحته شرعية الحكم. 


أيضاً لا يقول أحدكم إن الانتخابات هي من أعطت حماس شرعية الحكم، لأن سلطات الرئيس في القانون الأساسي لسلطة أوسلو «اللعينة» التي شاركت حماس في انتخاباتها التي نص عليها اتفاق أوسلو أعلى من سلطات المجلس التشريعي ويعود له الحق في منح وتفويض من يريد لتشكيل الحكومة أو تعطيل المجلس.


وبالعودة للحالة العربية فإن أحداً لم يصدق أن الرئيس عباس لم يفعل كما يفعل عادة نظراؤه العرب وفي المنطقة بالتلاعب بنتائج الانتخابات من أجل أن يضمن بقاء حزبه، وفي هذه الحالة حركته فتح، في السلطة.


حتى حماس نفسها تفاجأت وبدا أنها لم تتوقع أن يتم إعلانها فائزة وصاحبة أغلبية تمكنها من تشكيل الحكومة وحدها، رغم أن رغبة بقية مكونات النظام السياسي كانت تتطلع لحكومة وفاق تجاوزاً للمخاطر، إلا أن شروط حماس جعلتها وحيدة في مجلس الوزراء. 


الرئيس عباس لم يقم بتزوير الانتخابات بل حرص على أن تكون بأكثر قدر من الشفافية، واستغرب الكثيرون ذلك فنحن لسنا في سويسرا أو هولندا بل في فلسطين، حيث الديمقراطية وليدة صفقات سياسية كما يفترض في كل مناطق النزاع. 


ومع ذلك فقد نجحت حماس وخسرت فتح الأغلبية. وخسارة فتح لها أسباب كثيرة لسنا في موضع مناقشتها ولكن وجب دائماً التذكير بأن الفارق بين حماس وفتح في القائمة النسبية لم يتجاوز الأعشار من 1% حيث كانت الضربة المؤلمة في الدوائر حيث يكون الاختيار وفق الفرد وليس وفق التنظيم. 


عموماً هذا شيء من الماضي، مربط الفرس هنا أنه مهما كانت النتائج أو التفاصيل فقد تم إعلان فوز حماس في الانتخابات التشريعية الثانية بشكل صريح وتم تكليف من اختارته ممثلاً لها لتشكيل الحكومة. 


وهذا لم يحدث بالمطلق في السياسة العربية حيث يكون الرئيس قد تم انتخابه من تنظيم سياسي والحكومة تم انتخابها من تنظيم سياسي آخر. 


كان يمكن لو لم تقم حماس بكل محاولاتها للتفرد بالحكم ولتجاهل وجود مؤسسات قائمة أن يشكل الفلسطينيون حالة نادرة في السياسة العربية وربما تجربة يحتذى بها في السياسة الدولية، لكن الذي حصل أجهض كل شيء وحول هذه اللحظة لكابوس حتى أن أحداً لا يتذكرها بالمطلق، فثمة دماء كثير جرت تحت الجسر جعلت تذكر مثل تلك اللحظات درباً من الترف وربما استذكاراً لمسببات المشكلة.


قد يقول البعض إنه كان يمكن فقط إحداث تغير طفيف على نتائج الانتخابات، وبكلمة أخرى تزويرها بشكل غير لافت مثل أن تحصل حماس على أقل من نصف مقاعد المجلس بكرسي وبالتالي يتعذر عليها أن تشكل الحكومة وحدها، وقد يقول نفس القائل إن حصول حماس على أكثر من أربعين بالمائة كان سيكون مقبولاً، ولن تتمكن الحركة من التمرد على النتائج. 


ولكن أتذكر مسؤولاً لحماس سمعته بأذني يقول: كنا سنأتي إما بصندوق الانتخابات أو بصندوق الرصاص. هذا القول كان قبل الانقلاب الأسود حين قامت حماس بإعدام ضباط الشرطة والأمن الذين أشرفوا على سلامة الانتخابات التي جاءت بها للحكم. ويمكن العودة لرسالة الرئيس محمود عباس التي رد بها على برنامج حكومة إسماعيل هنية العاشرة لنقرأ كيف تم التجاوز عن محاولة إشعال الفتنة منذ البداية. 


لم يلتزم هنية بخطاب التكليف. والعرف السياسي يقول إنه في حال لم يعجب أو يتوافق كتاب التكليف مع تطلعات المكلف وحزبه يعتذر عن التشكيل أو يذهب للنقاش بغية التفاهم على نقاط الخلاف. 


ما حدث أن هنية لم يعر كتاب التكليف بالاً وقام بتقديم حكومة وبرنامج عمل يتعارض بل ويتجاوز فيه قرار التكليف ويقر عكسه. كتب وقتها الرئيس أبو مازن رسالة رد اختتمها بالآتي: «ورغم أسفنا الشديد لعدم تبني ما ورد في كتاب التكليف، ما أعاق تشكيل حكومة ائتلاف وطني، فقد قررنا أن لا نستخدم صلاحياتنا المنصوص عليها في القانون الأساسي، بل أن نتيح المجال لعرض حكومتكم على المجلس التشريعي لنيل الثقة احتراماً لروح العملية الديمقراطية، ولكي تأخذوا فرصتكم الكاملة في تحمل المسؤولية. 


وهنا نطالبكم مرة أخرى، وعندما تتحمل الحكومة المسؤوليات المناطة بها وفق القانون الأساسي، بعد نيلها الثقة، أن تعملوا على التصويب اللازم لبرنامجكم بتبني بنود كتاب التكليف. 


إننا سنعمل انطلاقاً من مسؤولياتنا، على تقديم الدعم الممكن لعملكم وسنراقب عن كثب أداء الحكومة، كما أننا سنواصل القيام بمسؤوليتنا وفق التفويض الممنوح من الشعب، ووفق الصلاحيات المنصوص عليها في القانون الأساسي».


الكل يعرف ما جرى بعد ذلك. فشلت الحكومة في إنجاز شيء وتم تشكيل حكومة وحدة وطنية أيضاً في مثل هذه الأيام عام 2007 نتج عنها انقلاب حماس ومحاولاتها فصل قطاع غزة عن النظام السياسي وحروبها الدنكشوتية التي كانت آخرها ما يجري الآن من حرب إبادة. وسيقول قائل مرة أخرى: هل لو لم تتم الانتخابات أو لم يتم الالتزام الحرفي بنتائجها أو تم اتخاذ مواقف أخرى، لم نكن لنصل لهذه المرحلة التي صار حلمنا فيها أن تلتزم إسرائيل بالخط الأصفر، وغداً سنطالب بالخط البرتقالي والأزرق؟ 


لا أحد يعرف لكن المؤكد أن غايات حماس منذ تأسيس السلطة كانت مبنية على استهداف وجودها بشكل محقق، مرة أخرى ما قاله المسؤول الحمساوي الذي عمل بالمناسبة وزيراً في حكومة هنية العاشرة كانت «حماس» تفعل ذلك بصندوق الرصاص أو صندوق الانتخابات.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد