نحن الشعوب العربية عموماً لدينا مشكلة في قراءة التاريخ، ولا زلنا نعيش على أمجاد الماضي الذي كانت فيه صفحات مشرقة وأخرى مظلمة ومليئة بالمثالب. ولدينا حالة مرضية تتلخص في إنكار ضعفنا وهزائم الحاضر في ظل حالة وهم وعيش في ماضٍ لا علاقة له مع الواقع. ومنذ النكبة عام 1948 لا تزال لدينا هذه الحالة. فقد هزمت الجيوش العربية في حرب حزيران عام 1967، وكانت هزيمة كبرى وبشعة احتُلت فيها فلسطين التاريخية بالكامل وأجزاء تفوقها بأكثر من ثلاثة أضعاف من الأراضي العربية وأسمينا الهزيمة نكسة. وهُزمنا في لبنان وطُردت المقاومة من بيروت ونُفذت بحق الفلسطينيين مجازر صبرا وشاتيلا في عام 1982، وتغنينا بانتصاراتنا وصمودنا الأسطوري على الرغم من خروج غالبية مقاتلي فصائل منظمة التحرير من بيروت، وعلى الرغم من حصول تغير كبير في معادلة الصراع والكفاح المسلح، انطلاقاً من لبنان الذي كان يمثل قاعدة لهذا الكفاح.
ويمكن القول إن النصر كان حليف العرب والفلسطينيين في ثلاث حروب ومواجهات. الأولى حرب الكرامة في الأردن في عام 1968، وهذه لم تنتصر فيها إسرائيل وفشلت في تحطيم الفدائيين الفلسطينيين وخرجت من الأردن تجر أذيال الهزيمة بعد خسائر كبيرة لحقت بها على يد المقاتلين الفلسطينيين والجيش الأردني. وكانت انطلاقة حقيقية للعمل الفدائي. والثانية كانت حرب أكتوبر عام 1973 التي انتصر فيها الجيش المصري على جيش الاحتلال بعد اختراق خط بارليف وكسر فيها العنجهية الإسرائيلية وأسطورة «الجيش الذي لا يُقهر» والتي كانت نتيجتها تحرير كامل أراضي سيناء. أما الثالثة والأخيرة فهي الانتفاضة الكبرى المجيدة التي اندلعت في نهاية عام 1987، والتي أعادت لمنظمة التحرير دورها ومكانتها وأجبرت إسرائيل على التفاوض معها والاعتراف بها والدخول في «اتفاق أوسلو». وحتى نكون منصفين يمكن أيضاً تسجيل انتصار للمقاومة اللبنانية في إجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان وتفكيك جيش جنوب لبنان بقيادة أنطوان لحد.
هذه المقدمة تقودنا للواقع في غزة للحرب التي لا تزال مستمرة، بغض النظر عن وتيرتها وقوتها وللسنوات التي خلت قبل هجوم السابع من أكتوبر. فلو رجعنا للوراء منذ الانتفاضة الثانية لوجدنا أننا كنا في حالة تدهور وخسارة مستمرة. وحتى الانسحاب الذي حصل من قطاع غزة بفعل المقاومة العنيفة ضد المستوطنين آنذاك تحول إلى فخ لنا، وقاد إلى صراع داخلي انتهى بانقسام مدمّر لا نزال ندفع ثمنه إلى يومنا هذا. وكل الحروب التي خاضتها غزة بعد انقلاب حركة « حماس » على السلطة الوطنية وسيطرتها على قطاع غزة بالقوة في ظل وقوف إسرائيل موقف المتفرج والسعيد بما جرى في غزة، كانت كلها خسائر كارثية ولم تحقق لنا شيئاً سوى آلاف الشهداء والمصابين والدمار، وكان كثير من الفلسطينيين وعلى رأسهم فصائل ما يسمى «محور المقاومة» يعلنون الانتصار.
وجاءت النكبة الكبرى الجديدة في حرب السابع من أكتوبر من العام 2023، والتي يُجمع العالم بأسره على أنها كارثة لا مثيل لها ألمّت بالشعب الفلسطيني بعد سقوط أكثر من 70 ألف شهيد وأكثر من 170 ألف مصاب، جزءٌ كبير منهم تحولوا إلى معاقين، ودُمر أكثر من 80% من المباني والمنشآت في قطاع غزة، بالإضافة إلى كامل البنية التحتية. وتضرر التعليم حيث فقد التلاميذ والطلاب عامين دراسيين على الرغم من محاولات التعليم عن بُعد، وتدمر القطاع الصحي والأعمال وأصبح معدل البطالة يفوق 80% من الأيدي العاملة. وجاع الناس وعطشوا وعاشوا في ظروف بائسة لا مثيل لها في القسوة والعوز. وامتهنت كرامة المواطنين وإنسانيتهم. ويأتي مَن يعلن الانتصار ويشرح ذلك في 20 صفحة تعدد إنجازات حرب غزة التي يسمونها «طوفان الأقصى»، والتي ساهمت في إحداث أضرار جسيمة للضفة الغربية، بما فيها القدس التي تعرضت لأبشع هجمة استيطانية وإرهابية، وغطت على جرائم الحكومة الإسرائيلية في هدم مخيمات في شمال الضفة، واتخاذ قرارات لتوسيع الاستيطان وتغيير الواقع السياسي والقانوني للضفة، والقيام بضم فعلي واسع لمناطق كبيرة منها، في ظل إلغاء تصنيفات المناطق: (أ) و (ب) و (ج)، وتحويل الضفة بالكامل إلى منطقة خاضعة لقرارات المستوطنين والجهات التي تدير عملية الاستيطان والضم.
ولم يهاجروا كما أرادت لهم إسرائيل، بمعنى أن حكومة إسرائيل فشلت في تحقيق أهم أهداف الحرب. والواقع هو غير ذلك، فلم يكن أمام المواطنين في غزة أية خيارات سوى البقاء في الوطن والنزوح من منطقة إلى أخرى حسب أوامر جيش الاحتلال، والبقاء تحت النيران والجوع والبرد والمطر والحر والريح وكل عوامل الطبيعة القاسية التي لا تحميهم الخيام البالية منها. ولو أن القيادة المصرية والرئيس السيسي خضعوا للضغوط وسمحوا بخروج الفلسطينيين لكان مئات الآلاف قد خرجوا إلى مصر ولكان التهجير قد حصل، وهذه مسألة طبيعية في البحث عن سبل الحياة في ظل انعدامها في القطاع.
وإذا لم نقرَّ بالهزيمة التي لحقت بنا فستتكرر ولن ننتصر أبداً، فالاعتراف بالهزيمة يجعل الناس يبحثون عن الانتصار، أما إذا كنا منتصرين فلا داعي لتغيير أي شيء، ولا يوجد هناك أي داعٍ للبحث عن المساعدة ومناشدة العالم للوقوف إلى جانبنا. فنحن من يتوجب قصده ليتم التخفيف عن الأعداء المهزومين. وإذا كنا منتصرين إلى هذا الحد لماذا نوافق على خطة الرئيس دونالد ترامب، ونوافق على تسليم السلاح والتذلل من أجل السماح ببقاء السلاح الفردي بثمن حماية أمن إسرائيل ومنع الهجمات عليها، بل والذهاب لهدنة طويلة بدون أي ثمن سياسي سوى البقاء في حكم غزة بصورة ما. بالمناسبة ليس عيباً أن نعترف بالهزيمة، فالدول والشعوب التي هزمت كاليابان وألمانيا أصبحت دولاً عظمى بعد عقود من الهزيمة، لأنها أقرت بها وقررت بناء نفسها. بل العيب هو الكذب على الذات والمكابرة مع أن الواقع فاضح ولا يُبقي مستوراً.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
